الاثنين، 27 فبراير 2017

المثلية الجنسية تفضح جهلنا !

أجريت استطلاعا عن طريق حسابي في تويتر عن الميول الجنسي للأفراد ذكورا وإناثا في مجتمعاتنا ، هل هو ميول جنسي مغاير بمعنى الانجذاب للجنس الآخر ، أم ميول جنسي مثلي بمعنى الانجذاب لنفس الجنس ، أم مزدوج الميول بمعنى الانجذاب لنفس الجنس وللجنس الآخر معا ؟
 وقد شارك فيه أكثر من أربعة آلاف شخص وكانت النتيجة أن 20٪ هم من مثليي الجنس ، و 22٪ من مزدوجي الميول الجنسية ، و 58٪ هم من المغايرين جنسيا ، وذلك يعني أن 42٪ من المجتمع ينجذب جنسيا لنفس جنسه وقادر على إقامة علاقة مثلية متكاملة دون أن يقرف أو يشمئز منها !

موضوع المثلية الجنسية من المواضيع الحساسة والمسكوت عنها في مجتمعاتنا على الرغم من وجودها لدينا بنسبة لا يستهان بها إطلاقا ، فنسبة وجودهم بمجتمعنا أعلى من نسبة وجود الشيعة في السعودية بل وأعلى من نسبة الشيعة عالميا على سبيل المثال !
والمثلية موجودة كذلك في بقية المجتمعات الغربية والشرقية على حد سواء وعلى مر الأزمان !
فقضية المثليين قضية لا تقل أهمية عن أي قضية تخص الأقليات الأخرى في العالم سواء أقليات دينية أو عرقية أو جنسية ، ولا مجال للاستخفاف بطرحها أو التقليل من شأن وضرورة الالتفات إليها .

والتطرق الخجول لها لا يقدم شيئا ، إن نبذها وتحقيرها يقدّم بشكل تقليدي يركز على مخالفتها الفطرة السليمة ، وإنها من الكبائر المحرمة شرعا ، وغير ذلك من مبررات الاسطوانة التقليدية المعروفة ..
ولا زلنا من المجتمعات التي تعتقد بأن المثلية مرض من الأمراض التي يتطلب علاجها بأي شكل من الأشكال ، على الرغم من تعمد إزالتها من قائمة الأمراض وعدم تصنيفها كمرض منذ سبعينيات القرن الماضي إلى أن أقرت ذلك منظمة الصحة العالمية في التسعينيات ، بل تم اعتبار أن الهوموفوبيا هي المرض وليست المثلية ، نتيجة التقدم الطبي والعلمي بناء على المعطيات الحديثة والدراسات النفسية والاجتماعية العديدة في هذا المجال ، كما أظهرت الأبحاث أن الميول الجنسية المثلية شكل من أشكال التنوع الجنسي الطبيعي والإيجابي بين البشر ، وأنها لا تشكل أثرا سلبيا على الإنسانية ، بل محاربتها هو الذي يحمل آثاراً سلبية قد تكون كارثية !

ومن ناحية حقوقية فإن قضية المثليين من أهم القضايا المعاصرة في مجال حقوق الأقليات والعدالة والمساواة ، وتم اعتبار حقوق المثليين من الحقوق الإنسانية الأساسية حسب منظمة العفو الدولية ، بالإضافة لصدور قرار من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بدعم حقوق المثليين كحقوق إنسانية ومدنية على مستوى العالم ، ووقعت عليه غالبية الدول الأعضاء التي بدأت مجتمعاتها تسن القوانين لصالحهم وتجرم التحريض عليهم وتعتبر التمييز العنصري ضدهم جريمة من جرائم الكراهية ، مما ساعد على تحسين حياتهم وقدرتهم على تكوين علاقات عاطفية متكاملة باستقرار اجتماعي ونفسي وعاطفي لا يختلف عن بقية البشر المغايرين ، ومنهم العديد من الناجحين والمبدعين والمتألقين في عدة مجالات كالفن والعلوم والإعلام والرياضة والسياسة وغيرها ..
وفي المقابل اعترض على ذلك القرار أقلية لا يستهان بها ، غالبيتهم ينتمي للدول العربية والإسلامية وغيرهم من المجتمعات التي تمتاز بالجهل والتخلف والاضطهاد الإنساني العام ..

فلا زلنا إلى اليوم كمجتمع ندفع المثليين والمثليات على ممارسة مثليتهم بطرق غير آمنة أو مشبوهة . مما يشكل خطورة على صحتهم وإيذاء لنفسياتهم أو تدميرا لأخلاقهم أو استغلالا لهم بشكل بشع لا يخلو من تحقير أو ابتزاز أو تنمر ، من خلال إجبارهم على كبت مشاعرهم وتوجهاتهم الجنسية وكتمانها ، وإرغامهم على العيش بالتظاهر وكأنهم مغايرون حتى في الزواج !
فكم من شاب تزوج من فتاة مثلية لأنها مضطرة لأسباب وتعقيدات اجتماعية ولا يمكنها أن تبادله ما يريده من عواطف ومشاعر وحياة جنسية ، ليقع الزوج في دوامة من التساؤلات والشك بالنفس لتصبح علاقتهما تدميرا للأحلام والآمال وأشبه بالمأساة التي لا تخلو من آثار سلبية كارثية على الطرفين ، أو العكس !

أولئك لم يأتوا من الفضاء ولا يعيشون خارج مجتمعاتنا ، هم إما أخوتنا أو أخواتنا ، أبناؤنا أو بناتنا ، أقرباء لنا وأصدقاء أو معارف ، جيران أو زملاء !
يعيشون بيننا بمعاناتهم وبألمهم في مجتمع يحتقرهم لمجرد تعبيرهم عن ميولهم الجنسي أو ممارسته ، وبرمجة دينية على تأنيبهم الدائم لضميرهم وشعورهم بالعار وعيشهم بدوامة من الحيرة والقلق والاكتئاب واللوم والاعتقاد بأن الله يكرههم وسيعذبهم أشد العذاب أو أنهم مرضى مثيرون للشفقة بأحسن الأحوال ، ليكون كل ذلك حاجزا يمنعهم من التصالح مع أنفسهم أولا ، والاندماج في مجتمعاتهم دون تخفي أو كتمان ثانيا ..

لا أبالغ إن قلت إن المثليين هم أكثر أقلية مسالمة ومضطهدة ومسلوبة الحقوق والتقدير والاحترام في مجتمعاتنا ، ويتم تشويهها واحتقارها والإساءة إليها والتحريض عليها وممارسة التمييز العنصري ضدها بشكل ممنهج بالرغم من أنها مكون أساسي من نسيج المجتمع ، لا لشيء سوى الجهل الشديد بحقيقة المثلية من جميع النواحي ومن كل الأطراف حتى أولئك الذين يتشدقون بالإنسانية وتقبل الاختلافات الفردية أو المحسوبين على المعرفة والثقافة وسعة الاطلاع !

إما بربطها بالإيدز والأمراض الجنسية بكل جهل ودون اعتبار لتطور وسائل الحماية والاحتياطات في الاتصال الجنسي المطلوبة في العلاقات المثلية أو المغايرة على حد سواء ، أو رفض المثلية بحجة أن الحيوانات بدون عقل ومع ذلك تترفع عنها ولا تمارسها ، بينما تلك حجة ساقطة أساسا لعدة أسباب ولا داعي لمناقشتها ، أهمها أنها عبارة عن ادعاء كاذب لأن المثلية موجودة بين الحيوانات وتمارسها وكون هناك من يجهل ذلك لا يعطي قيمة للاستشهاد بالحيوانات على رفضها ، أو أن يتم طرحها كعلاقة جنسية بهيمية وليست إنسانية دون اعتبار للحب والمشاعر والعواطف وكأن العلاقات المثلية مجرد جنس !
أو أن يتم خلطها دون مبرر بقضايا التحرش أو الاغتصاب وممارسة الجنس مع الأطفال أو مع الحيوانات ، دون أدنى اعتبار لمبادئ أساسية لا تختلف مخالفتها بين العلاقات المثلية أو المغايرة ، كالأهلية والموافقة بين الطرفين لممارسة الجنس أو تبادل الحب والمتوفرة بالعلاقات المثلية ، وغائبة تماما مع الأطفال أو الحيوانات وحالات التحرش والاغتصاب ، وكذلك عدم استيعاب فكرة أن المثلية كميول جنسي تختلف عن الهوية الجنسية وليست خيارا ولا هي خاضعة للإرادة  وغير قابلة للتحويل أو التغيير ، فحالها حال الميول الجنسية المغايرة ، وكما أن المغاير لا يمكنه أن يجد نفسه بعلاقة مثلية بل قد يقرف أو يشمئز منها ولا يقبلها على نفسه ، كذلك المثلي تماما مع العلاقة المغايرة ..
كما أن منحهم حرياتهم وحقوقهم لا يعني فرض ممارسة المثلية على الجميع ، فمثليتهم على أنفسهم وللمغايرين حياتهم كما هي ..

وما يجعل الموضوع أكثر تعقيدا هو ثقل الموروث الديني وقداسته بفهمه التقليدي تجاه المثليين والذي يهدر دمهم ويبيح قتلهم ويدعو لإبادتهم بأبشع الطرق وأكثرها وحشية وتناقضا مع الرحمة والإنسانية ، في مجتمع يقحم الدين كمعيار في كل شيء تقريبا !
على الرغم من وجود توجهات دينية حديثة بدأت بالتصالح مع المثلية لصالح الإنسان بعيدا عن الجمود الديني وتقديس أحكامه التي تعود لقرون ماضية فيها اختلاف بالظروف البشرية ومستجداتها وتقدمها الحقوقي والمعرفي ، وتوافقا مع فكرة العدالة الإلهية ورحمته الواسعة وأنه لا يمكن لدين سماوي يمثل الرحمة والإنسانية أن يقف ضد فئة مسالمة من البشر دون أن يكون لهم مكان فيه ، سواء بعض الكنائس المسيحية وكذلك بعض الآراء الإسلامية في الغرب ولكن ليس لها أي حضور أو قبول في مجتمعاتنا العربية لحد الآن ..

أعتقد أن قبول المثليين والاعتراف بحقوقهم سوف يرفع القيمة الإنسانية في مجتمعاتنا ويعزز التنوع واحترام الاختلاف بغض النظر عن الميول الجنسي للفرد ومظهره ، كما أنه يحمي المغايرين ذكورا وإناثا من التورط بالزواج من المثليين كونهم متخفين ولا يملكون خياراً اجتماعيا آخر للعيش في مجتمعاتهم !
فيبقى المثليون للمثليين والمغايرون للمغايرين ، ولا يجبر أحدهم الآخر على ممارسة ما لا يقبله ، ويتحمل كل طرف ما يترتب على ميوله الجنسي من تبعات طالما الخيارات متاحة أمامه ، وله حقوقه في تسهيل حياته ، ومتطلباتها متوفرة ومقبولة اجتماعيا وقانونيا وطبيا بناء على ذلك الميول !
كالحماية أو العلاقات الاجتماعية أو الحب أو الزواج أو التبني أو الإنجاب بالتلقيح الصناعي ..الخ 

نحن بحاجة لحملة توعية إعلامية مكثفة لإعادة النظر إنسانيا واجتماعيا وقانونيا ودينيا ومعرفيا بهذا المجال ، لأن قضية المثليين قضية إنسانية محقة قبل أي شيء آخر ، والمثلي إذا لم يكن أنت فقد يكون ابنك أو ابنتك أو أخوك أو أختك أو قريبك أو قريبتك أو أي من معارفك وزملائك وأعزائك ، لكنه لا يستطيع أن يبوح لك بمعاناته وألمه خوفا من القتل أو الرفض والنبذ والتحقير والإقصاء !

وليس الهدف من ذلك دعوة الجميع لممارسة المثلية أو نشرها لأن ذلك أمر غير واقعي وغير مطلوب أساسا ، فالمثلية ليست دين أو معتقد يمكن الدعوة إليه أو نشره واعتناقه ، ولا فكرة يمكن الاقتناع بها وتطبيقها ، هي توجه وميول جنسي وعاطفي لا إرادي لا يمكن تبديله أو تحويله ولن يؤثر السماح لصاحبه بممارسته والعيش من خلاله على توجه المغايرين ، الذين سيبقون كما هم بتوجهاتهم الجنسية وحياتهم وتكاثرهم ، ولن يؤذيهم أو يعتدي عليهم أحد ولن يتم إجبارهم على ممارسة المثلية كما يتوهم بعضنا !

وكما إن دعمك لحقوق المرأة لا يعني بالضرورة أنك امرأة ولن يجعل منك كذلك إذا لم تكن أساسا امرأة ، وكذلك دعمك لحقوق الطفل لا يشترط كونك طفلا ولا يجعلك كذلك ، وأيضا بالنسبة لدعم حقوق الحيوان وغيرها من القضايا ، كذلك دعم حقوق المثليين لا يشترط أن تكون مثليا ولن يجعلك كذلك لمجرد دعمهم ، فالقضية قضية إنسانية وحقوقية ، وغالبية المجتمعات التي أعطت المثليين حقوقهم وصوتت لصالحهم كانت غالبية مغايرة وليست مثلية !

بتصوري حان الوقت للاعتراف بحقوق المثليين وكرامتهم وتقديرهم وإنسانيتهم ، وعدم الاستخفاف بهم أو بقضيتهم وكأنها أمر هامشي أو مستورد ولا يعنينا ، هم شريحة منا وفينا لا يستهان بها تعيش بيننا حياة بائسة لا تناسبها أسوأ وأقسى الظروف والخيارات التي تدفعها لأسوأ الاحتمالات ، فإلى متى نبقى خارج الزمن بجهلنا ونستمر في ظلمهم ونبذهم وكراهيتهم واضطهادهم وسلبهم أبسط حقوقهم والشعور بالعار منهم وتعقيد حياتهم ونفسياتهم وإرغامهم على التخفي عوضا عن قبولهم !؟



ملاحظة : استطلاعات تويتر تعطي مؤشرات سريعة ولا تمثل بحثا علميا أو دراسة علمية ، لذلك هي لا تغني عن الدراسات والإحصائيات المختصة ، مع الأخذ بعين الاعتبار معايير اختيار العينات لتعطي نتائج أكثر دقة كلما كانت العينة أوسع وأشمل وخاضعة للمعايير العالية التي تطلب جهدا أكبر ..

السبت، 21 يناير 2017

حقوقيو الغفلة !

يحصر الحرية بمواجهة السلطة السياسية فقط ، وإذا حدثته عن السلطة الاجتماعية أو الدينية أو الثقافية واستبدادها يقول إنه لا وجود لذلك التسلط في مجتمعنا ..
وحين تقول له إن المجتمع آذى من اختلف عنه حين عبر عن ذلك الاختلاف !

يقول أولئك قلة وهم من وضعوا أنفسهم بمواقع الشبهات ، فلا يمكنك أن تنزعج اجتماعيا إلا في حال استفزازك للمجتمع أو خروجك عنه وعن عاداته وأعرافه وتقاليده وقيمه الثابتة ، كل من يراعي المجتمع يعيش بحرية وسلام ولا يتأذى ولا .. إلخ ، فعليهم أن ينضجوا ويكفوا عن الشكوى والصراخ والمطالبات الطفولية ..
كما إن المجتمع لا يسجن ولا يحبس ، وما أحلى الرفض الاجتماعي بالمقارنة مع ذلك ، فأنت لم تجرب !

ولكن بالمقابل وحسب ذلك المنطق الأعوج :
السلطة السياسية كذلك لم تعتقل إلا قلة بالمقارنة مع مجموع الشعب ، وهم لولا إنهم وضعوا أنفسهم بمواقع الشبهات واستفزازهم للسلطات وخروجهم عن اعتباراتها وأدبياتها لما سجنوا ، ومن يراعِ السلطة السياسية يعش بحرية وسلام ولا يمس بأذى ولا .. إلخ ، وعليهم أن ينضجوا ويكفوا عن الشكوى والصراخ والمطالبات الطفولية .
سياسيا قد تكون في السجن لكن حياتك في أمان ، وقد تنسج من خلال السجن علاقات مختلفة وتتعلم تجارب جديدة بالإضافة إلى التعاطف خارجه ، وقد يكون ذلك أخف وطأ مقارنة بالنبذ والتسقيط والتشويه حتى من أقرب الناس إليك ، وكل الضرر النفسي والمعنوي وحتى المادي الذي يلحق بك لمجرد اختلافك وتعبيرك عن ذلك الاختلاف ، فأنت لم تجرب ذلك !

من يقبل بالحالة الأولى حتى لو لم يشارك بها ويرفض الثانية فهو ازدواجي ومتناقض ، وإذا شارك بالأولى فهو أحمق ساذج أو خبيث غادر حتى لو رفض الثانية ..

شخصيا أرفض الحالتين ومع الحرية والحقوق كمبادئ أساسية ، وقد يكون الفرق إني أعتبر الحقوق والحريات الفردية في المجتمع هي أساس تكوين الحقوق والحريات السياسية وليس العكس ، لأنه لولا الأولى لا يمكن للثانية أن تتحقق مهما تبدلت الشخصيات أو تغيرت الحكومات ، لأن التسلط والاستبداد في عقولنا وشخصياتنا وثقافتنا وتربيتنا ومجتمعاتنا قبل أي شيء آخر ، وأكثر تعقيدا من اعتقال هذا أو حبس ذاك ..

لا يمكن الوثوق بمن يتحدث باسم الحقوق والحريات والأخلاق  .. إلخ ، وهو أول من ينتهك كل ذلك بمجرد حصوله على الفرصة ضد خصومه !

كلامي مقصود وموجه لفئة محددة تعيش بيننا وترفع شعارات العدالة والحرية وهي لا تقل استبدادا وتسلطا في عقولها وشخصياتها ، وأقول لهم :
كفاكم انتفاخا وفوقية وعنجهية وغطرسة ومزايدة فارغة على الآخرين ، أنتم تحصرون الحرية والحقوق بحدود ضيقة على مقاسكم وتنتهكون مبادئها ، وتمجدون تشوهات اجتماعية بشعارات رنانة وكاذبة لا تعكس حقيقة مواقفكم العوجاء !

الأحد، 15 يناير 2017

بين العدالة والأخلاق

ماذا لو طرح عليك المثال الفلسفي الكلاسيكي المتعلق بالأخلاق والعدالة !؟
 حيث يحملك الخيال إلى إنك طبيب في غرفة الطوارئ بأحد المستشفيات وأدخلوا عليك ستة أشخاص مصابين بحادث سير مروع ، إصابة خمسة منهم متوسطة والسادس إصابته خطيرة وقد تحتاج إلى اليوم بأكمله للعناية به ، ولكن بتلك الحالة سيموت الخمسة ، أو يمكنك معالجة أولئك الخمسة ولكن أثناء ذلك سيموت السادس صاحب الإصابة الخطيرة ..
هل ستنقذ الخمسة وتضحي بالسادس ؟
أم إنك ستنقذ المصاب صاحب الحالة الأخطر ؟

عرض ذلك المثال على مجموعة من الطلاب في جامعة هارفرد في مقرر العدالة ، وأجاب الغالبية العظمى بأنهم سوف ينقذون الخمسة ويضحون بالواحد ، وعللوا إجابتهم بأن التضحية بحياة واحد مقابل إنقاذ حياة خمسة أشخاص عمل أكثر أخلاقية وعدالة !

تم تعديل المثال الافتراضي على إنك طبيب جراح متخصص بزراعة الأعضاء ، ولديك خمسة مرضى جميعهم بحاجة ماسة إلى زراعة عضو من أجل البقاء على قيد الحياة ، الأول بحاجة إلى قلب والثاني بحاجة إلى رئة والثالث يحتاج كلية والرابع يحتاج كبداً وأما الخامس بحاجة إلى بنكرياس ، وليس لديك أي متبرعين بأعضائهم ، وبهذه الحالة أنت على وشك أن تراهم يموتون أمامك واحداً تلو الآخر !

ولكن تتذكر أن في الغرفة المجاورة شاباً سليماً معافى وبصحة جيدة جاء لعمل فحوصات طبية روتينية ، ويأخذ قسطا من الراحة ، ويمكنك تخديره بهدوء وأخذه لانتزاع الأعضاء الخمسة منه لتزرعها بأولئك المحتاجين ، صحيح إن الشاب سيموت ولكنك ستنقذ حياة خمسة أشخاص آخرين بالمقابل ..
فهل ستقوم بفعل ذلك ؟
إذا كانت إجابتك نعم ، فهل ستبقى موافقا حتى لو كان ذلك الشاب هو أحد أقاربك ؟
تلك المجموعة من الطلاب أنفسهم الذين أجابوا في المثال الأول إنهم سيضحون بحياة واحد لإنقاذ حياة خمسة آخرين ، رفضوا التضحية بحياة الشاب في المثال الثاني لإنقاذ حياة الخمسة حتى لو لم يكن من أقاربهم ، وعللوا رفضهم بأنه تصرف لا أخلاقي ، فيه ظلم لحياة شاب بريء !

فهل كانت إجاباتك مماثلة !؟

في الحقيقة ومن خلال تلك الأمثلة الخيالية التي تحتوي على جوانب فلسفية عميقة تتعلق بالأخلاق ومدى توافقها مع العدالة ، برزت لدينا مبادئ أخلاقية محددة ..

في المثال الأول وفقا لإجابة الغالبية برز مبدأ إن التصرف الأخلاقي يعتمد على النتائج المترتبة عليه ، وعللوا إجابتهم منطقيا وأخلاقيا بالنتيجة ، بحيث إن حياة خمسة من البشر لها أولوية على حياة الإنسان الواحد ، ذلك التعليل الأخلاقي المحكوم بالنتائج يضع الأخلاقيات ضمن إطار النتائج المترتبة على التصرف ..

ولكن في المثال الثاني وجدنا أن ذلك التعليل الأخلاقي المرتبط بالنتائج لم يكن كافيا للموافقة على انتزاع أعضاء الشاب لإنقاذ حياة الخمسة الآخرين ، رغم إن النتيجة واحدة ، حياة عدد أكبر من البشر بمقابل التضحية بحياة عدد أقل !
وبرز لدينا مبدأ أخلاقي مختلف لا يعتمد على نتيجة التصرف ، بل على قيمته الذاتية بمعزل عن النتائج المترتبة عليه ، حتى لو كانت تلك النتيجة تنقذ خمسة أشخاص وتضحي بحياة واحد فالتصرف بحد ذاته غير أخلاقي ، وفيه ظلم لشخص بريء ..

ذلك التعليل الأخلاقي المطلق يضع التصرفات الأخلاقية ضمن إطار متطلبات أخلاقية مطلقة محددة ، ضمن واجبات وحقوق مطلقة محددة بغض النظر عن النتائج ..


وفي الحقيقة ذلك الفرق بين طريقة التفكير وإعطاء قيمة للمبادئ الأخلاقية المرتبطة بالعواقب ، وبين طريقة التفكير وإعطاء قيمة للمبادئ الأخلاقية المطلقة لذاتها محل إثارة وجدل من الناحية الفلسفية ..

وأبرز الأمثلة تأثيرا بالنسبة للتعليل أو التبرير الأخلاقي المرتبط بالنتائج هو مذهب النفعية الذي أوجده "جيرمي بنثام" الفيلسوف السياسي الانجليزي الذي عاش في القرن الثامن عشر ..
يقابله أهم فيلسوف تأثيرا بالنسبة للتعليل أو التبرير الأخلاقي المطلق وقيمة التصرف لذاته بغض النظر عن نتائجه "ايمانويل كانت" الألماني الذي عاش أيضا في القرن الثامن عشر ..

وهما مؤثران ليومنا هذا بتعليلاتهما وتبريراتهما الأخلاقية ويعتبران الأبرز بهذا المجال مع وجود توجهات أخلاقية أخرى بشكل أضعف وأقل تأثيرا على تقييم المبادئ الأخلاقية ..


وتبرز أهمية دراسة الأطروحات الأخلاقية وقراءتها نظراً لعلاقتها الوثيقة بالجدليات السياسية والقانونية المعاصرة ، وما تثيره من أسئلة فلسفية حول الواجبات والحقوق والحريات بالإضافة لقضايا المساواة والتفاوت وحرية التعبير مقابل خطاب الكراهية ، وكذلك حقوق المثليين وغيرها من قضايا تتعلق بتحقيق العدالة والتقدم بالحالة الإنسانية ..


أعتقد أن كثيرا من الاعتقادات والمعارف والأخلاقيات التي ورثناها أو تعلمناها وأصبحت من المسلمات لدينا بحاجة إلى إعادة نظر فيها بطريقة جديدة والتعرف عليها بشكل مغاير ، وهذا ما شعرت به حين طرحت تلك الأمثلة بما فيها من جانب فلسفي وأخلاقي على إحدى المجموعات ووردتني إجابات بدهية في بادئ الأمر ، ولكن سرعان ما وجدنا خللاً ما في ما كنا نعتقده أو نظنه أنه التصرف الأخلاقي العادل الذي يتناسب مع مبادئنا !

الجمعة، 7 أكتوبر 2016

عاشوراء بين الاحترام والازدراء !


في الوقت الذي نستهلك فيه قشور التحضر من أبنية وأجهزة إلكترونية محمولة وسيارات  .. إلخ ، نجد أننا لا زلنا متخلفين فكريا وثقافيا ، كما إننا نعيش حالة توقف جوهري وجمود حضاري وكأننا عقليا لا زلنا هناك قبل ١٤٠٠ عام ..


وأتصور إن الفصل بين احترام العقائد والممارسات واحترام الأفراد مؤشر حضاري راقٍ ومطلوب ، فقد أعتبر واحدة من ممارساتك ممارسة غير محترمة بالنسبة لي ، وتعكس مظهراً من مظاهر الجهل والتخلف ، لكنني أحترمك بصفتك شخصاً بعيدا عنها من خلال تعاملك الشخصي معي ومع الآخرين ..
كذلك أحترم حقك الشخصي والإنساني في اختيار الجهل والتخلف في ممارساتك بناء على دوافع مختلفة ؛ قد لا تجعلك تراها كذلك كما هو حاصل مع طائفة الآمش على سبيل المثال ..

فطالما إن ممارساتك مسالمة ولا تعتدي فيها على أحد أو تفرض احترامها على سواك ، فهي حق من حقوقك ويجب احترام ذلك الحق وإن لم تكن الممارسة ذاتها تستحق الاحترام !

إنطلاقا من تلك الفكرة أود أن ألخص بعض النقاط التالية :


* الأديان والمذاهب والشخصيات التاريخية والرموز الدينية والطقوس والممارسات .. إلخ ، قد تكون محترمة وقد لا تكون كذلك ، ولا ينبغي فرض احترامها على جميع الناس ، كما لا ينبغي منع احترامها !


* حق الاعتقاد أو الممارسة أو الاختيار وما شابه من حقوق فردية إنسانية أساسية ، ذلك الذي ينبغي احترامه ودعمه وليس المعتقد نفسه أو الممارسة ذاتها أو الاختيار عينه ..



* كما من حقك أن تقبل هذا الموروث الشعائري أو الطقس أو المعتقد وتعبر عن قبولك إما بالممارسة أو التصريح ، فمن حق غيرك أن يرفض ذلك الموروث أو المعتقد ويعبر عن رفضه ورأيه بهذه الممارسة أو تلك الناتجة عنه ، دون أن يجبر أحدكما الآخر أو يمنعه !


* أيا كانت مواقفنا من هذه الشعائر والممارسات والمعتقدات والطقوس أو تلك ، فلا يعطي ذلك الحق لأحد بالحقد والكراهية والتحريض ضد أصحابها أو تبرير الاعتداء عليهم وقتلهم أو تفجيرهم !
كما لا يحق لأحد التحريض ضد من يرفضها وينتقدها ولا يحترمها ، ولا يبرر إيذاءهم أو احتقارهم وإخراسهم ..


* من حقي أن أختلف معك في فكرك ودينك وأسلوب إحياء شعائرك وفي طريقة تعبدك أو تحررك ..
لكن من واجبي أن أعطيك الأمان وأقف مع حقك في اختيار معتقداتك وممارساتك المسالمة بكل حرية !


* بالنهاية نحن لسنا بحاجة لقوانين تجرّم ازدراء الأديان وطقوسها وشعائرها أو الأعراف وتقاليدها ، نحن بحاجة لقانون يجرّم ازدراء الإنسان ولو كان على حساب ذلك !
فالإنسان هو القيمة العليا التي يجب حمايتها ..

الجمعة، 20 مايو 2016

الشر المقدس !

في الحديث عن الخير والشر تتشعب الأفكار وتختلف طرق وزوايا ورؤى التناول والطرح  ، ولكن بما إن الخير والشر مفهومان بشريان ، فإني أعتبر مستوى الازدهار البشري هو معيارهما الأنسب والأكثر وضوحا وواقعية ..

 في حديث كثير منا عن الخير والشر يطرحانهما على إنهما مسألتان غامضتان لا يمكن توضيحهما ، لكن بتصوري ذلك ليس دقيقا !
بمعنى آخر ؛ نعم هناك جدل وخلاف لكن ليس بسبب عدم وضوح الخير والشر بذلك المستوى المطروح ، بل بسبب تأثير المعتقدات المقدسة على تقييم الأمور الواضحة والحقائق الواقعية ..

فمثلا لن يختلف أحد على إن العدل خير والظلم شر ، بل يمكن اعتبار ذلك حقيقة على مستوى الازدهار البشري في العالم المعاصر ..

ومع ذلك نجد من يسعى بالظلم محققا نموذجا شريا بامتياز وهو مرتاح البال والضمير !

وحتى نعرف السبب يمكن معادلة الخير والشر بالعلم والجهل ، فكلما زاد العلم وانخفض الجهل زاد معه الخير وانخفض الشر ، فالجهل هو السبب الرئيس الذي يجعلنا نقبل ما يناقض الخير في التجارب البشرية الواعية التي أنتجت العلم ورفعت مستوى العدالة والازدهار البشري وتنمية الإنسان المسالم بمختلف أعراقه وأجناسه ومظاهره وميولاته .. 

وبالرغم من وجود نسبة عالية من حملة الشهادات العلمية الأكاديمية بمختلف المجالات والتخصصات ، فإن كثيرا منهم لا يجد شرا في ظلم إنسان مسالم بناء على مظهره المختلف أو عقيدته ، بل قد يؤيد قتله لأنه بدّل دينه أو اختلف بميوله الجنسي أو عبر عن رأي يتصادم مع السائد ..

 لأن عقائدنا المقدسة تابعة للجهل وليس للعلم ، فنحن رغم شهاداتنا الأكاديمية العلمية المنتشرة بين أفراد المجتمع ، نجدها لا تساوي شيئا مقابل قداسة عقائدنا الموروثة من العصور الرجعية والمبنية على الجهل المقدس بلا علم ولا حقيقة ولا برهان ، وتقديس تلك العقائد كفيل بإفساد التفكير وإفساد المنطق وإفساد التحصيل العلمي وتمييع الفرق الواقعي والواضح بين الخير والشر ..

ليس عجيبا أن تجد أفكار منظمة شريرة كداعش أشد تأثيرا على ازدهارنا البشري من خير جامعاتنا وشهاداتها العليا ، أو أن تجد صاحب شهادة عليا في أحد التخصصات العلمية ودكتورا محاضرا في واحدة من أفضل الجامعات المحلية ، لكن عقله وعلمه مصادر تماما لصالح معتقداته الموروثة والوحشية والشريرة المبنية على الجهل المقدس ، ومع ذلك يعتبرها خيرا وعدالة بتناقض صريح وفاضح مع حقائق العصر ومعاييره ومعطياته وتجاربه الواعية التراكمية !


الشر منتشر في المجتمعات التي اتبعت تقديس الجهل والظلم بمعتقداتها وثقافتها وأفكارها وقيّمها ، والخير منتشر بالمجتمعات التي اتبعت العلم والعدالة بمعتقداتها وثقافتها وأفكارها وقيّمها التي أبقتها محل مراجعة مستمرة ..

الجهل اليوم هو الشر الأكبر ، والعلم هو الخير الذي ينبغي علينا اتباعه وجعله معيارا للمعتقدات والأخلاقيات والأفكار والقيّم ..

بالعلم نعرف أن التلوث شر وأن المرض شر وأن الظلم شر وأن الاعتداء شر ، وبالجهل المقدس يمكننا تمييع كل ذلك وخربطته وتشتيته في سبيل التحايل على الوقائع !


السبت، 26 مارس 2016

العمامة الذكية


لعل الدين كان في يوم ما يعالج توليفة من العلوم الإنسانية والفلسفية والطبيعية ، وكان النضج العلمي والتأصيل الفكري في المجتمعات يعتمد على رجال الدين ، ولكن مع تقدم المعارف والعلوم أصبح البشر في المجتمعات المتحضرة المعاصرة يعلمون أن الدين ليس مسألة علمية ولا مصدراً للأفكار والتقدم المعرفي والعلمي ، كما إنه غير مناسب لتسيير أمور البشر المعاصرين ..

ورجل الدين هناك مجرد واعظ لا يرقى إلى تسميته بالعالِم كما في بقية المجتمعات المتخلفة ، التي لا تزال تنظر إلى رجال الدين على أنهم علماء ينطلقون من تأصيل فكري عميق وقاعدة علمية متخصصة متينة وموضوعية !

ونتيجة الجانب المتخلف في عقلياتنا فقد عظّمنا الأمور المعقدة وغير المفهومة بالنسبة لنا ظنا منا أن ذلك هو معيار عمق المواضيع وأهميتها ، أوهمنا رجال الدين أن الدين مسألة معقدة وعميقة جداً لم يتمكن أحد من فهمها إلا رجال الدين وحدهم ، مما سمح لهم بالهيمنة على مجتمعاتنا إلى حد الاستغلال في الكثير من الحالات ..

فالإسلام كمثال ، لم يأت سوى بكتاب واحد فقط !
كان واضحا وسهلا ومفهوما لأبناء ذلك العصر ، ونقرأ كيف أقنع بكلماته الفقير قبل الغني والفلاح قبل التاجر والبسيط قبل أكابر القوم ، والصغير والكبير رجلا كان أو امرأة !

لكننا نجد اليوم كيف أن رجال الدين طوروا الآلاف من الكتب والمؤلفات والمجلدات التي امتلأت بالتعقيد والتناقضات وإفساد المنطق حتى اختلطت إرادة كل مؤلف وأمنياته الشخصية مع طبيعة الدين وكتابه الوحيد !


ولكن مع انفتاحنا على القفزة الهائلة التي حصلت في العلوم الإنسانية وغيرها ، في مقابل الجمود الديني وتخلفه ، تولدت فجوة عميقة بين الخطاب الديني وبقية العلوم والمعارف وتحولت إلى أزمة حقيقية لم يستوعبها رجال الدين على ما يبدو !

أولئك الذين يتعاملون مع المجتمع بالطريقة ذاتها قبل مئات السنين ، كما لا يزالون يعيشون الفلسفة والعلوم من عهد أفلاطون وأرسطو وابن سينا ، أو من خلال بعض الانتقاءات المنحازة والمنقوصة من دراسة علمية حديثة هنا أو هناك في أحسن أحوالهم !

وبطبيعة الحال لا أحد يريد إقصاء رجال الدين من مجتمعاتهم ، تماما كما هو غير مقبول أن يقصوا أحدا بالمقابل !
لكنهم صدقا بحاجة إلى تحديث عاجل وضروري يعطيهم مكانتهم وحجمهم الحقيقي ؛ كفئة يمكن الاعتماد عليها بدلا من بقائها كعائق في عملية بناء مجتمع متحضر ومتقدم قادر على خدمة البشرية بالإبداعات والإنجازات والعطاءات ..

هم بحاجة إلى عمامات ذكية تسمح لهم بالتصالح والتكامل مع العصر ، وتفهمهم أن استيعاب البسيط العميق أولى من المعقد السطحي والمنحرف عن الهدف ، بحيث أن الدين والتدين ليسا بذلك التعقيد الذي يطرحونه بالمؤلفات والحلقات والأفكار والمعتقدات والواجبات ، فهو حاجة نفسية خاصة يعيشها الفرد بينه وبين علاقته مع الكون والغيب ، والهدف منه خدمة حياة الناس وتيسيرها بشكل يتواءم مع زمانها بلا مقدسات عائقة ولا ثوابت رجعية تشكل عبئا وثقلا ..
والأهم أنه لا يمكن لأحد منهم أن يأخذ دور الإله في هذه العلاقة الخاصة ، وأن لا مقدسات في العلاقة مع الغيب !

وليس عيب أن تتعلم تلك العمامة الذكية من التجربة الدينية التي عاشها الآخر المتحضر ، حيث يقدر اليوم في أوروبا -كمثال- وفقا لبعض الإحصاءات ، أن ٨٪ فقط يعيشون حالة من الالتزام بالذهاب إلى الكنيسة لغرض التعبد ، التي أغلقت مثيلاتها ، فيما تم تحويل بعضها إلى متاحف أو صالات عرض يمكن الاستفادة منها في مجالات أخرى !

وذلك يعكس حجم المكانة الدينية المعاصرة ، بالنسبة لمجتمعات كانت في أقصى حالات التدين تاريخيا !

العمامة الذكية ستقرأ المستقبل وتعرف أن التجربة البشرية المتحضرة والأكثر تقدما هي ذاتها ، وإننا نسير من حيث ساروا ..
وعليها تقديم خطابا دينيا معاصرا يتبنى منهج المحبة والسلام والتسامح إلى أقصى حد ، بعيدا عن الاستغراق بالتاريخ وحقبات الماضي ، وبعيدا عن خطاب الترهيب والتعقيد والعنف والكراهية وامتلاك الحقيقة !

الثلاثاء، 26 يناير 2016

هندرة فكرية وثقافية


"الهندرة" مصطلح عربي جديد في عالم الإدارة الحديثة مشتق من هندسة وإدارة ، يرادف أصل المفهوم الإنجليزي (Business Reengineering) ويفسر بأنه إعادة هندسة العمليات الإدارية ..
وتعني الهندرة البدء من نقطة الصفر ، وليس إصلاح وترميم الوضع القائم ولا إجراء تغييرات تجميلية أو تحسينية مع ترك البنية الأساسية ، كما لا تعني ترقيع ثقوب المنظمة أملا بنتائج أفضل !
الهندرة تعني التخلي عن إجراءات العمل القديمة وإعادة التفكير بصورة أساسية وإعادة التصميم الجذري للعمليات الرئيسة ..

وأجد من المناسب استعارة هذا المصطلح الذي يحمل مفهوما ضروريا في مجتمعنا للتعاطي مع منظومتنا الفكرية والثقافية والأخلاقية ، إذ لم يعد مناسبا بتصوري الدعوة إلى التغيير والإصلاح مالم يكن بصورة جذرية يشمل كل الأسس التي بنينا عليها مجتمعاتنا فكرا وثقافة وخُلقا ، لأنها تشكل علة أساسية كبرى في وجه أي تغيير فعلي نحو الأمام ، وغالبا ما يتم الدفاع عن تلك العلة تحت عنوان "خصوصيتنا" أو "هويتنا" ..

ولكن ما لا يستوعبه بعضنا إلى الآن إن تلك الخصوصية أو الهوية التي يدافعون عنها ، ويشترطون تناسب التجارب الحضارية معها ، حتى يقبلوا بتلك التجارب ، هي  من أهم أسباب تخلفنا وعوائق تقدمنا !
نعم هناك مجتمعات لا تتعارض خصوصيتها مع التقدم والتحضر ، لكننا للأسف لسنا منهم !
فالتخلف والجهل من أساسيات منظومتنا الفكرية والثقافية والأخلاقية ، وهما عناصر رئيسة وبنية عقلية وجذرية في صميم وتركيب خصوصيتنا وهويتنا الاجتماعية والثقافية ..
ولا ينبغي لنا الإعلاء من شأنها أو الاستماتة في الدفاع عنها وتكريسها وكأننا عبيد تلك المنظومة أو الخصوصية المعيقة كعائق جذري وأساسي ..
بل علينا مراجعتها والتحرر من كل قيودها والتخلي عن مساوئها وعدم تقديسها أو تبريرها والسعي الفاشل والمجهد في تلميعها ..

لنسأل أنفسنا بكل وضوح وصدق وشفافية : لماذا نتمسك بهذه الفكرة أو المبادئ و ندافع عن تلك الثقافة أو العادات ونسعى لتكريس هذه الهوية والخصوصية !؟ هل ما نظن أنه حقيقة أساسية أو مقدسة هو فعلا كذلك !؟ وما هي الآثار الواقعية التي نجنينها من ذلك كله !؟ هل هي مفيدة حقا كما ندعي أو هل تشكل قيمة أو إضافة في سبيل تحقيق أهدافنا وإثبات ادعاءاتنا !؟
وإذا كان هناك من أجاب بنعم ؛ فليتابع السؤال : هل ما نملكه ونتمسك به وندافع عنه من قيّم وأفكار وهوية وخصوصيات ينتج لنا النموذج الأفضل واقعيا !؟

قد تبدو أسئلتنا أعلاه بسيطة وسهلة ، لكنها مهمة حتى نتمكن من الانطلاق نحو الأمام بدلا من الرجوع إلى الخلف أو مراوحة المكان بأفضل الحالات ..

 نحن بحاجة إلى هندرة عقولنا وثقافتنا ومنظوماتنا الفكرية والأخلاقية ، وذلك يتطلب صدقا عالياً مع الذات ، بحثا عن تغيير جذري وأساليب بناء جديدة وبعيدة عن جذورنا البالية و أساسياتنا المهترئة والمعيقة !