‏إظهار الرسائل ذات التسميات طارق العزيز. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات طارق العزيز. إظهار كافة الرسائل

السبت، 21 يناير 2017

حقوقيو الغفلة !

يحصر الحرية بمواجهة السلطة السياسية فقط ، وإذا حدثته عن السلطة الاجتماعية أو الدينية أو الثقافية واستبدادها يقول إنه لا وجود لذلك التسلط في مجتمعنا ..
وحين تقول له إن المجتمع آذى من اختلف عنه حين عبر عن ذلك الاختلاف !

يقول أولئك قلة وهم من وضعوا أنفسهم بمواقع الشبهات ، فلا يمكنك أن تنزعج اجتماعيا إلا في حال استفزازك للمجتمع أو خروجك عنه وعن عاداته وأعرافه وتقاليده وقيمه الثابتة ، كل من يراعي المجتمع يعيش بحرية وسلام ولا يتأذى ولا .. إلخ ، فعليهم أن ينضجوا ويكفوا عن الشكوى والصراخ والمطالبات الطفولية ..
كما إن المجتمع لا يسجن ولا يحبس ، وما أحلى الرفض الاجتماعي بالمقارنة مع ذلك ، فأنت لم تجرب !

ولكن بالمقابل وحسب ذلك المنطق الأعوج :
السلطة السياسية كذلك لم تعتقل إلا قلة بالمقارنة مع مجموع الشعب ، وهم لولا إنهم وضعوا أنفسهم بمواقع الشبهات واستفزازهم للسلطات وخروجهم عن اعتباراتها وأدبياتها لما سجنوا ، ومن يراعِ السلطة السياسية يعش بحرية وسلام ولا يمس بأذى ولا .. إلخ ، وعليهم أن ينضجوا ويكفوا عن الشكوى والصراخ والمطالبات الطفولية .
سياسيا قد تكون في السجن لكن حياتك في أمان ، وقد تنسج من خلال السجن علاقات مختلفة وتتعلم تجارب جديدة بالإضافة إلى التعاطف خارجه ، وقد يكون ذلك أخف وطأ مقارنة بالنبذ والتسقيط والتشويه حتى من أقرب الناس إليك ، وكل الضرر النفسي والمعنوي وحتى المادي الذي يلحق بك لمجرد اختلافك وتعبيرك عن ذلك الاختلاف ، فأنت لم تجرب ذلك !

من يقبل بالحالة الأولى حتى لو لم يشارك بها ويرفض الثانية فهو ازدواجي ومتناقض ، وإذا شارك بالأولى فهو أحمق ساذج أو خبيث غادر حتى لو رفض الثانية ..

شخصيا أرفض الحالتين ومع الحرية والحقوق كمبادئ أساسية ، وقد يكون الفرق إني أعتبر الحقوق والحريات الفردية في المجتمع هي أساس تكوين الحقوق والحريات السياسية وليس العكس ، لأنه لولا الأولى لا يمكن للثانية أن تتحقق مهما تبدلت الشخصيات أو تغيرت الحكومات ، لأن التسلط والاستبداد في عقولنا وشخصياتنا وثقافتنا وتربيتنا ومجتمعاتنا قبل أي شيء آخر ، وأكثر تعقيدا من اعتقال هذا أو حبس ذاك ..

لا يمكن الوثوق بمن يتحدث باسم الحقوق والحريات والأخلاق  .. إلخ ، وهو أول من ينتهك كل ذلك بمجرد حصوله على الفرصة ضد خصومه !

كلامي مقصود وموجه لفئة محددة تعيش بيننا وترفع شعارات العدالة والحرية وهي لا تقل استبدادا وتسلطا في عقولها وشخصياتها ، وأقول لهم :
كفاكم انتفاخا وفوقية وعنجهية وغطرسة ومزايدة فارغة على الآخرين ، أنتم تحصرون الحرية والحقوق بحدود ضيقة على مقاسكم وتنتهكون مبادئها ، وتمجدون تشوهات اجتماعية بشعارات رنانة وكاذبة لا تعكس حقيقة مواقفكم العوجاء !

الأحد، 15 يناير 2017

بين العدالة والأخلاق

ماذا لو طرح عليك المثال الفلسفي الكلاسيكي المتعلق بالأخلاق والعدالة !؟
 حيث يحملك الخيال إلى إنك طبيب في غرفة الطوارئ بأحد المستشفيات وأدخلوا عليك ستة أشخاص مصابين بحادث سير مروع ، إصابة خمسة منهم متوسطة والسادس إصابته خطيرة وقد تحتاج إلى اليوم بأكمله للعناية به ، ولكن بتلك الحالة سيموت الخمسة ، أو يمكنك معالجة أولئك الخمسة ولكن أثناء ذلك سيموت السادس صاحب الإصابة الخطيرة ..
هل ستنقذ الخمسة وتضحي بالسادس ؟
أم إنك ستنقذ المصاب صاحب الحالة الأخطر ؟

عرض ذلك المثال على مجموعة من الطلاب في جامعة هارفرد في مقرر العدالة ، وأجاب الغالبية العظمى بأنهم سوف ينقذون الخمسة ويضحون بالواحد ، وعللوا إجابتهم بأن التضحية بحياة واحد مقابل إنقاذ حياة خمسة أشخاص عمل أكثر أخلاقية وعدالة !

تم تعديل المثال الافتراضي على إنك طبيب جراح متخصص بزراعة الأعضاء ، ولديك خمسة مرضى جميعهم بحاجة ماسة إلى زراعة عضو من أجل البقاء على قيد الحياة ، الأول بحاجة إلى قلب والثاني بحاجة إلى رئة والثالث يحتاج كلية والرابع يحتاج كبداً وأما الخامس بحاجة إلى بنكرياس ، وليس لديك أي متبرعين بأعضائهم ، وبهذه الحالة أنت على وشك أن تراهم يموتون أمامك واحداً تلو الآخر !

ولكن تتذكر أن في الغرفة المجاورة شاباً سليماً معافى وبصحة جيدة جاء لعمل فحوصات طبية روتينية ، ويأخذ قسطا من الراحة ، ويمكنك تخديره بهدوء وأخذه لانتزاع الأعضاء الخمسة منه لتزرعها بأولئك المحتاجين ، صحيح إن الشاب سيموت ولكنك ستنقذ حياة خمسة أشخاص آخرين بالمقابل ..
فهل ستقوم بفعل ذلك ؟
إذا كانت إجابتك نعم ، فهل ستبقى موافقا حتى لو كان ذلك الشاب هو أحد أقاربك ؟
تلك المجموعة من الطلاب أنفسهم الذين أجابوا في المثال الأول إنهم سيضحون بحياة واحد لإنقاذ حياة خمسة آخرين ، رفضوا التضحية بحياة الشاب في المثال الثاني لإنقاذ حياة الخمسة حتى لو لم يكن من أقاربهم ، وعللوا رفضهم بأنه تصرف لا أخلاقي ، فيه ظلم لحياة شاب بريء !

فهل كانت إجاباتك مماثلة !؟

في الحقيقة ومن خلال تلك الأمثلة الخيالية التي تحتوي على جوانب فلسفية عميقة تتعلق بالأخلاق ومدى توافقها مع العدالة ، برزت لدينا مبادئ أخلاقية محددة ..

في المثال الأول وفقا لإجابة الغالبية برز مبدأ إن التصرف الأخلاقي يعتمد على النتائج المترتبة عليه ، وعللوا إجابتهم منطقيا وأخلاقيا بالنتيجة ، بحيث إن حياة خمسة من البشر لها أولوية على حياة الإنسان الواحد ، ذلك التعليل الأخلاقي المحكوم بالنتائج يضع الأخلاقيات ضمن إطار النتائج المترتبة على التصرف ..

ولكن في المثال الثاني وجدنا أن ذلك التعليل الأخلاقي المرتبط بالنتائج لم يكن كافيا للموافقة على انتزاع أعضاء الشاب لإنقاذ حياة الخمسة الآخرين ، رغم إن النتيجة واحدة ، حياة عدد أكبر من البشر بمقابل التضحية بحياة عدد أقل !
وبرز لدينا مبدأ أخلاقي مختلف لا يعتمد على نتيجة التصرف ، بل على قيمته الذاتية بمعزل عن النتائج المترتبة عليه ، حتى لو كانت تلك النتيجة تنقذ خمسة أشخاص وتضحي بحياة واحد فالتصرف بحد ذاته غير أخلاقي ، وفيه ظلم لشخص بريء ..

ذلك التعليل الأخلاقي المطلق يضع التصرفات الأخلاقية ضمن إطار متطلبات أخلاقية مطلقة محددة ، ضمن واجبات وحقوق مطلقة محددة بغض النظر عن النتائج ..


وفي الحقيقة ذلك الفرق بين طريقة التفكير وإعطاء قيمة للمبادئ الأخلاقية المرتبطة بالعواقب ، وبين طريقة التفكير وإعطاء قيمة للمبادئ الأخلاقية المطلقة لذاتها محل إثارة وجدل من الناحية الفلسفية ..

وأبرز الأمثلة تأثيرا بالنسبة للتعليل أو التبرير الأخلاقي المرتبط بالنتائج هو مذهب النفعية الذي أوجده "جيرمي بنثام" الفيلسوف السياسي الانجليزي الذي عاش في القرن الثامن عشر ..
يقابله أهم فيلسوف تأثيرا بالنسبة للتعليل أو التبرير الأخلاقي المطلق وقيمة التصرف لذاته بغض النظر عن نتائجه "ايمانويل كانت" الألماني الذي عاش أيضا في القرن الثامن عشر ..

وهما مؤثران ليومنا هذا بتعليلاتهما وتبريراتهما الأخلاقية ويعتبران الأبرز بهذا المجال مع وجود توجهات أخلاقية أخرى بشكل أضعف وأقل تأثيرا على تقييم المبادئ الأخلاقية ..


وتبرز أهمية دراسة الأطروحات الأخلاقية وقراءتها نظراً لعلاقتها الوثيقة بالجدليات السياسية والقانونية المعاصرة ، وما تثيره من أسئلة فلسفية حول الواجبات والحقوق والحريات بالإضافة لقضايا المساواة والتفاوت وحرية التعبير مقابل خطاب الكراهية ، وكذلك حقوق المثليين وغيرها من قضايا تتعلق بتحقيق العدالة والتقدم بالحالة الإنسانية ..


أعتقد أن كثيرا من الاعتقادات والمعارف والأخلاقيات التي ورثناها أو تعلمناها وأصبحت من المسلمات لدينا بحاجة إلى إعادة نظر فيها بطريقة جديدة والتعرف عليها بشكل مغاير ، وهذا ما شعرت به حين طرحت تلك الأمثلة بما فيها من جانب فلسفي وأخلاقي على إحدى المجموعات ووردتني إجابات بدهية في بادئ الأمر ، ولكن سرعان ما وجدنا خللاً ما في ما كنا نعتقده أو نظنه أنه التصرف الأخلاقي العادل الذي يتناسب مع مبادئنا !

الجمعة، 7 أكتوبر 2016

عاشوراء بين الاحترام والازدراء !


في الوقت الذي نستهلك فيه قشور التحضر من أبنية وأجهزة إلكترونية محمولة وسيارات  .. إلخ ، نجد أننا لا زلنا متخلفين فكريا وثقافيا ، كما إننا نعيش حالة توقف جوهري وجمود حضاري وكأننا عقليا لا زلنا هناك قبل ١٤٠٠ عام ..


وأتصور إن الفصل بين احترام العقائد والممارسات واحترام الأفراد مؤشر حضاري راقٍ ومطلوب ، فقد أعتبر واحدة من ممارساتك ممارسة غير محترمة بالنسبة لي ، وتعكس مظهراً من مظاهر الجهل والتخلف ، لكنني أحترمك بصفتك شخصاً بعيدا عنها من خلال تعاملك الشخصي معي ومع الآخرين ..
كذلك أحترم حقك الشخصي والإنساني في اختيار الجهل والتخلف في ممارساتك بناء على دوافع مختلفة ؛ قد لا تجعلك تراها كذلك كما هو حاصل مع طائفة الآمش على سبيل المثال ..

فطالما إن ممارساتك مسالمة ولا تعتدي فيها على أحد أو تفرض احترامها على سواك ، فهي حق من حقوقك ويجب احترام ذلك الحق وإن لم تكن الممارسة ذاتها تستحق الاحترام !

إنطلاقا من تلك الفكرة أود أن ألخص بعض النقاط التالية :


* الأديان والمذاهب والشخصيات التاريخية والرموز الدينية والطقوس والممارسات .. إلخ ، قد تكون محترمة وقد لا تكون كذلك ، ولا ينبغي فرض احترامها على جميع الناس ، كما لا ينبغي منع احترامها !


* حق الاعتقاد أو الممارسة أو الاختيار وما شابه من حقوق فردية إنسانية أساسية ، ذلك الذي ينبغي احترامه ودعمه وليس المعتقد نفسه أو الممارسة ذاتها أو الاختيار عينه ..



* كما من حقك أن تقبل هذا الموروث الشعائري أو الطقس أو المعتقد وتعبر عن قبولك إما بالممارسة أو التصريح ، فمن حق غيرك أن يرفض ذلك الموروث أو المعتقد ويعبر عن رفضه ورأيه بهذه الممارسة أو تلك الناتجة عنه ، دون أن يجبر أحدكما الآخر أو يمنعه !


* أيا كانت مواقفنا من هذه الشعائر والممارسات والمعتقدات والطقوس أو تلك ، فلا يعطي ذلك الحق لأحد بالحقد والكراهية والتحريض ضد أصحابها أو تبرير الاعتداء عليهم وقتلهم أو تفجيرهم !
كما لا يحق لأحد التحريض ضد من يرفضها وينتقدها ولا يحترمها ، ولا يبرر إيذاءهم أو احتقارهم وإخراسهم ..


* من حقي أن أختلف معك في فكرك ودينك وأسلوب إحياء شعائرك وفي طريقة تعبدك أو تحررك ..
لكن من واجبي أن أعطيك الأمان وأقف مع حقك في اختيار معتقداتك وممارساتك المسالمة بكل حرية !


* بالنهاية نحن لسنا بحاجة لقوانين تجرّم ازدراء الأديان وطقوسها وشعائرها أو الأعراف وتقاليدها ، نحن بحاجة لقانون يجرّم ازدراء الإنسان ولو كان على حساب ذلك !
فالإنسان هو القيمة العليا التي يجب حمايتها ..

الجمعة، 20 مايو 2016

الشر المقدس !

في الحديث عن الخير والشر تتشعب الأفكار وتختلف طرق وزوايا ورؤى التناول والطرح  ، ولكن بما إن الخير والشر مفهومان بشريان ، فإني أعتبر مستوى الازدهار البشري هو معيارهما الأنسب والأكثر وضوحا وواقعية ..

 في حديث كثير منا عن الخير والشر يطرحانهما على إنهما مسألتان غامضتان لا يمكن توضيحهما ، لكن بتصوري ذلك ليس دقيقا !
بمعنى آخر ؛ نعم هناك جدل وخلاف لكن ليس بسبب عدم وضوح الخير والشر بذلك المستوى المطروح ، بل بسبب تأثير المعتقدات المقدسة على تقييم الأمور الواضحة والحقائق الواقعية ..

فمثلا لن يختلف أحد على إن العدل خير والظلم شر ، بل يمكن اعتبار ذلك حقيقة على مستوى الازدهار البشري في العالم المعاصر ..

ومع ذلك نجد من يسعى بالظلم محققا نموذجا شريا بامتياز وهو مرتاح البال والضمير !

وحتى نعرف السبب يمكن معادلة الخير والشر بالعلم والجهل ، فكلما زاد العلم وانخفض الجهل زاد معه الخير وانخفض الشر ، فالجهل هو السبب الرئيس الذي يجعلنا نقبل ما يناقض الخير في التجارب البشرية الواعية التي أنتجت العلم ورفعت مستوى العدالة والازدهار البشري وتنمية الإنسان المسالم بمختلف أعراقه وأجناسه ومظاهره وميولاته .. 

وبالرغم من وجود نسبة عالية من حملة الشهادات العلمية الأكاديمية بمختلف المجالات والتخصصات ، فإن كثيرا منهم لا يجد شرا في ظلم إنسان مسالم بناء على مظهره المختلف أو عقيدته ، بل قد يؤيد قتله لأنه بدّل دينه أو اختلف بميوله الجنسي أو عبر عن رأي يتصادم مع السائد ..

 لأن عقائدنا المقدسة تابعة للجهل وليس للعلم ، فنحن رغم شهاداتنا الأكاديمية العلمية المنتشرة بين أفراد المجتمع ، نجدها لا تساوي شيئا مقابل قداسة عقائدنا الموروثة من العصور الرجعية والمبنية على الجهل المقدس بلا علم ولا حقيقة ولا برهان ، وتقديس تلك العقائد كفيل بإفساد التفكير وإفساد المنطق وإفساد التحصيل العلمي وتمييع الفرق الواقعي والواضح بين الخير والشر ..

ليس عجيبا أن تجد أفكار منظمة شريرة كداعش أشد تأثيرا على ازدهارنا البشري من خير جامعاتنا وشهاداتها العليا ، أو أن تجد صاحب شهادة عليا في أحد التخصصات العلمية ودكتورا محاضرا في واحدة من أفضل الجامعات المحلية ، لكن عقله وعلمه مصادر تماما لصالح معتقداته الموروثة والوحشية والشريرة المبنية على الجهل المقدس ، ومع ذلك يعتبرها خيرا وعدالة بتناقض صريح وفاضح مع حقائق العصر ومعاييره ومعطياته وتجاربه الواعية التراكمية !


الشر منتشر في المجتمعات التي اتبعت تقديس الجهل والظلم بمعتقداتها وثقافتها وأفكارها وقيّمها ، والخير منتشر بالمجتمعات التي اتبعت العلم والعدالة بمعتقداتها وثقافتها وأفكارها وقيّمها التي أبقتها محل مراجعة مستمرة ..

الجهل اليوم هو الشر الأكبر ، والعلم هو الخير الذي ينبغي علينا اتباعه وجعله معيارا للمعتقدات والأخلاقيات والأفكار والقيّم ..

بالعلم نعرف أن التلوث شر وأن المرض شر وأن الظلم شر وأن الاعتداء شر ، وبالجهل المقدس يمكننا تمييع كل ذلك وخربطته وتشتيته في سبيل التحايل على الوقائع !


السبت، 26 مارس 2016

العمامة الذكية


لعل الدين كان في يوم ما يعالج توليفة من العلوم الإنسانية والفلسفية والطبيعية ، وكان النضج العلمي والتأصيل الفكري في المجتمعات يعتمد على رجال الدين ، ولكن مع تقدم المعارف والعلوم أصبح البشر في المجتمعات المتحضرة المعاصرة يعلمون أن الدين ليس مسألة علمية ولا مصدراً للأفكار والتقدم المعرفي والعلمي ، كما إنه غير مناسب لتسيير أمور البشر المعاصرين ..

ورجل الدين هناك مجرد واعظ لا يرقى إلى تسميته بالعالِم كما في بقية المجتمعات المتخلفة ، التي لا تزال تنظر إلى رجال الدين على أنهم علماء ينطلقون من تأصيل فكري عميق وقاعدة علمية متخصصة متينة وموضوعية !

ونتيجة الجانب المتخلف في عقلياتنا فقد عظّمنا الأمور المعقدة وغير المفهومة بالنسبة لنا ظنا منا أن ذلك هو معيار عمق المواضيع وأهميتها ، أوهمنا رجال الدين أن الدين مسألة معقدة وعميقة جداً لم يتمكن أحد من فهمها إلا رجال الدين وحدهم ، مما سمح لهم بالهيمنة على مجتمعاتنا إلى حد الاستغلال في الكثير من الحالات ..

فالإسلام كمثال ، لم يأت سوى بكتاب واحد فقط !
كان واضحا وسهلا ومفهوما لأبناء ذلك العصر ، ونقرأ كيف أقنع بكلماته الفقير قبل الغني والفلاح قبل التاجر والبسيط قبل أكابر القوم ، والصغير والكبير رجلا كان أو امرأة !

لكننا نجد اليوم كيف أن رجال الدين طوروا الآلاف من الكتب والمؤلفات والمجلدات التي امتلأت بالتعقيد والتناقضات وإفساد المنطق حتى اختلطت إرادة كل مؤلف وأمنياته الشخصية مع طبيعة الدين وكتابه الوحيد !


ولكن مع انفتاحنا على القفزة الهائلة التي حصلت في العلوم الإنسانية وغيرها ، في مقابل الجمود الديني وتخلفه ، تولدت فجوة عميقة بين الخطاب الديني وبقية العلوم والمعارف وتحولت إلى أزمة حقيقية لم يستوعبها رجال الدين على ما يبدو !

أولئك الذين يتعاملون مع المجتمع بالطريقة ذاتها قبل مئات السنين ، كما لا يزالون يعيشون الفلسفة والعلوم من عهد أفلاطون وأرسطو وابن سينا ، أو من خلال بعض الانتقاءات المنحازة والمنقوصة من دراسة علمية حديثة هنا أو هناك في أحسن أحوالهم !

وبطبيعة الحال لا أحد يريد إقصاء رجال الدين من مجتمعاتهم ، تماما كما هو غير مقبول أن يقصوا أحدا بالمقابل !
لكنهم صدقا بحاجة إلى تحديث عاجل وضروري يعطيهم مكانتهم وحجمهم الحقيقي ؛ كفئة يمكن الاعتماد عليها بدلا من بقائها كعائق في عملية بناء مجتمع متحضر ومتقدم قادر على خدمة البشرية بالإبداعات والإنجازات والعطاءات ..

هم بحاجة إلى عمامات ذكية تسمح لهم بالتصالح والتكامل مع العصر ، وتفهمهم أن استيعاب البسيط العميق أولى من المعقد السطحي والمنحرف عن الهدف ، بحيث أن الدين والتدين ليسا بذلك التعقيد الذي يطرحونه بالمؤلفات والحلقات والأفكار والمعتقدات والواجبات ، فهو حاجة نفسية خاصة يعيشها الفرد بينه وبين علاقته مع الكون والغيب ، والهدف منه خدمة حياة الناس وتيسيرها بشكل يتواءم مع زمانها بلا مقدسات عائقة ولا ثوابت رجعية تشكل عبئا وثقلا ..
والأهم أنه لا يمكن لأحد منهم أن يأخذ دور الإله في هذه العلاقة الخاصة ، وأن لا مقدسات في العلاقة مع الغيب !

وليس عيب أن تتعلم تلك العمامة الذكية من التجربة الدينية التي عاشها الآخر المتحضر ، حيث يقدر اليوم في أوروبا -كمثال- وفقا لبعض الإحصاءات ، أن ٨٪ فقط يعيشون حالة من الالتزام بالذهاب إلى الكنيسة لغرض التعبد ، التي أغلقت مثيلاتها ، فيما تم تحويل بعضها إلى متاحف أو صالات عرض يمكن الاستفادة منها في مجالات أخرى !

وذلك يعكس حجم المكانة الدينية المعاصرة ، بالنسبة لمجتمعات كانت في أقصى حالات التدين تاريخيا !

العمامة الذكية ستقرأ المستقبل وتعرف أن التجربة البشرية المتحضرة والأكثر تقدما هي ذاتها ، وإننا نسير من حيث ساروا ..
وعليها تقديم خطابا دينيا معاصرا يتبنى منهج المحبة والسلام والتسامح إلى أقصى حد ، بعيدا عن الاستغراق بالتاريخ وحقبات الماضي ، وبعيدا عن خطاب الترهيب والتعقيد والعنف والكراهية وامتلاك الحقيقة !

الثلاثاء، 26 يناير 2016

هندرة فكرية وثقافية


"الهندرة" مصطلح عربي جديد في عالم الإدارة الحديثة مشتق من هندسة وإدارة ، يرادف أصل المفهوم الإنجليزي (Business Reengineering) ويفسر بأنه إعادة هندسة العمليات الإدارية ..
وتعني الهندرة البدء من نقطة الصفر ، وليس إصلاح وترميم الوضع القائم ولا إجراء تغييرات تجميلية أو تحسينية مع ترك البنية الأساسية ، كما لا تعني ترقيع ثقوب المنظمة أملا بنتائج أفضل !
الهندرة تعني التخلي عن إجراءات العمل القديمة وإعادة التفكير بصورة أساسية وإعادة التصميم الجذري للعمليات الرئيسة ..

وأجد من المناسب استعارة هذا المصطلح الذي يحمل مفهوما ضروريا في مجتمعنا للتعاطي مع منظومتنا الفكرية والثقافية والأخلاقية ، إذ لم يعد مناسبا بتصوري الدعوة إلى التغيير والإصلاح مالم يكن بصورة جذرية يشمل كل الأسس التي بنينا عليها مجتمعاتنا فكرا وثقافة وخُلقا ، لأنها تشكل علة أساسية كبرى في وجه أي تغيير فعلي نحو الأمام ، وغالبا ما يتم الدفاع عن تلك العلة تحت عنوان "خصوصيتنا" أو "هويتنا" ..

ولكن ما لا يستوعبه بعضنا إلى الآن إن تلك الخصوصية أو الهوية التي يدافعون عنها ، ويشترطون تناسب التجارب الحضارية معها ، حتى يقبلوا بتلك التجارب ، هي  من أهم أسباب تخلفنا وعوائق تقدمنا !
نعم هناك مجتمعات لا تتعارض خصوصيتها مع التقدم والتحضر ، لكننا للأسف لسنا منهم !
فالتخلف والجهل من أساسيات منظومتنا الفكرية والثقافية والأخلاقية ، وهما عناصر رئيسة وبنية عقلية وجذرية في صميم وتركيب خصوصيتنا وهويتنا الاجتماعية والثقافية ..
ولا ينبغي لنا الإعلاء من شأنها أو الاستماتة في الدفاع عنها وتكريسها وكأننا عبيد تلك المنظومة أو الخصوصية المعيقة كعائق جذري وأساسي ..
بل علينا مراجعتها والتحرر من كل قيودها والتخلي عن مساوئها وعدم تقديسها أو تبريرها والسعي الفاشل والمجهد في تلميعها ..

لنسأل أنفسنا بكل وضوح وصدق وشفافية : لماذا نتمسك بهذه الفكرة أو المبادئ و ندافع عن تلك الثقافة أو العادات ونسعى لتكريس هذه الهوية والخصوصية !؟ هل ما نظن أنه حقيقة أساسية أو مقدسة هو فعلا كذلك !؟ وما هي الآثار الواقعية التي نجنينها من ذلك كله !؟ هل هي مفيدة حقا كما ندعي أو هل تشكل قيمة أو إضافة في سبيل تحقيق أهدافنا وإثبات ادعاءاتنا !؟
وإذا كان هناك من أجاب بنعم ؛ فليتابع السؤال : هل ما نملكه ونتمسك به وندافع عنه من قيّم وأفكار وهوية وخصوصيات ينتج لنا النموذج الأفضل واقعيا !؟

قد تبدو أسئلتنا أعلاه بسيطة وسهلة ، لكنها مهمة حتى نتمكن من الانطلاق نحو الأمام بدلا من الرجوع إلى الخلف أو مراوحة المكان بأفضل الحالات ..

 نحن بحاجة إلى هندرة عقولنا وثقافتنا ومنظوماتنا الفكرية والأخلاقية ، وذلك يتطلب صدقا عالياً مع الذات ، بحثا عن تغيير جذري وأساليب بناء جديدة وبعيدة عن جذورنا البالية و أساسياتنا المهترئة والمعيقة !

الاثنين، 16 نوفمبر 2015

الغيرة من فرنسا !

جميعنا لاحظ حجم التعاطف العالمي مع فرنسا في الأحداث الأخيرة مقارنة بالعرب !

في تصوري إن التعاطف الكبير مع الفرنسيين والتهافت على رفع العلم الفرنسي آتٍ من كون فرنسا جزءاً من العالم المتقدم الذي يساهم في تنمية الحضارة البشرية المعاصرة ..

التعاطف مع العرب أقل -رغم الإدانات- لأنهم يمارسون حالة غرور غير مبرر على الآخر ويتوهمون تفوقهم عليه إلى حد التجبر والتكبر !
وإلى حد الدعاء على المنابر بشكل شبه يومي ضد اليهود والنصارى وكل مختلف معهم بالهلاك ، والتضرع بالتمكن منهم والنصرة عليهم .. إلخ
وإلى حد معايرتهم بالشوكة التي في عيونهم رغم اعترافهم بها وسعيهم لنزعها ، في حين ننكر الجذع الذي يفقع عيوننا ونرفض تنبيهنا إليه أو معالجة آثاره التي وزعتنا بين العور والعمى !

الواقع العربي جزء من العوائق العالمية للتقدم البشري ، حيث يعيشون حالة من التطرف و العنف والاقتتال فيما بينهم ، ولم يكتفوا بذلك بل عملوا على تصديره للخارج !

حين تحصل عملية إرهابية في العالم العربي ، فإنها بفعل عربي بين العرب ، وأحيانا سعودي بين السعوديين كالقديح والعنود وعسير والدالوة وسيهات ..

لكن ما حدث في فرنسا وليد فكر عربي ديني بالٍ ، يرهب عالمهم البعيد عنا ويهاجم الأبرياء هناك !!

نعم قد يقال لكن العالم المتحضر يستغلنا ويحيك المؤامرات ضدنا ويدعم داعش و .. إلخ
وقد يكون ؛ والاستغلال بجميع الأحوال مرفوض ولا يحق لهم ذلك ، وكذلك لا يبرر الإرهاب ضدهم !

كما إن ذلك الاستغلال هو مسؤوليتنا نحن وليس مسؤوليتهم !
نحن المسؤولون عن تحصين أنفسنا وشبابنا من الفكر المتطرف والبالي الذي تجند من خلاله داعش وغيرها كالقاعدة أو ما شابه !
نحن بثغراتنا وحماقاتنا وعدم تعلمنا من تجاربنا وعدم اعترافنا بكوارثنا يتم استغلالنا ، ونعيش الدور الواهم بالتفوق من جهة والضحية المغلوب على أمرها من جهة أخرى ؛ حسب الحالة وحسب الموقف وحسب المزاج !!

نحن من يجب علينا الإحساس بالمسؤولية تجاه عقولنا ومراجعة ثقافتنا وموروثنا ومقدساتنا حتى نتجاوز كل ذلك الجهل والتخلف والبؤس ، حينها سنتحول إلى شعب قوي حر يمكنه محاسبة كل من يحاول استغلاله ..

لذلك لا عجب من تعاطف العالم مع الفرنسيين كونهم شعبا محترما أكثر من العرب وأقل إيذاء منهم بالنسبة لبقية العالم ،  شعب اشتغل على نفسه  وسعى لتطويرها وتجاوز تاريخه المتخلف ، أكثر من الشعب العربي الذي لا زال يحلم بالفتوحات والغزوات والسعي لإقناع المجتمعات الأخرى بتعاليم مجتمع بائدة تراكمت عبر أكثر من ألف عام بزعم إنها إلهية !!

فإذا كان لابد من غيرة ؛ فلتكن غيرة إيجابية من تحضرهم تدفعنا نحو التقدم والازدهار ، عوضا عن هذه الغيرة السلبية والمطالبات الساذجة بتعاطف العالم معنا بقدر تعاطفه مع فرنسا !

الاثنين، 19 أكتوبر 2015

نحن لسنا بخير !


جميعنا يشعر بالقلق نتيجة الخطورة التي نعيشها لا سيما بعد الاعتداء على الدالوة مروراً بالقديح والعنود وعسير ومؤخراً في سيهات ، وما بينهم من مداهمات أمنية واعتقالات كان ثمنها أرواحاً طاهرة ودماء زكية ..

تلك الجرائم لم تكن دون إنذار مسبق ، حيث هددت داعش علنا على لسان زعيمها البغدادي باستهدافها للملكة ، وقد حددت ثلاثة مكونات : الطائفة الشيعية ورجال الأمن وكل من ينتمي لأسرة آل سعود الكريمة ..
وذلك التهديد قبل عاصفة الحزم وقبل الاتفاق النووي الإيراني ، وتنفيذهم بدأ بجريمة الدالوة التي كانت قبل ذلك أيضا ..

وكتبت خلال العام عدة مقالات متعلقة بذلك ، أولها :
الأحساء تطلق صفارة الإنذار

وحين أرانا نقف بالمكان نفسه ، أجد أن لا شيئ جديدا يمكنني إضافته على ذلك ، غير إني سأشير لعدة نقاط كمواطن بسيط يعيش هذا القلق :

*الحديث عن وقف التحريض مطلوب من جميع الأطراف بلا استثناء ، لكنه يوجه لمؤسسات الدولة بشكل رئيس لسبب بسيط ، وهو إن المؤسسات الدينية والتعليمية تتبنى النهج المتطرف ذاته الذي تتبناه داعش بعقائدها وفقهها ، فكر ابن تيمية وتلامذته على سبيل المثال ، باتفاق الجميع وحتى من يتبنى فكره فإنه غير مقدس ولا معصوم ، ومن ذلك الباب أقول فكره لم يعد يتناسب مع هذا العصر ..
نلاحظ المنتمون لداعش من كل أنحاء العالم يتبعون إرثه وتوجهاته ، نحن تبنينا ذلك الإرث بالمدارس والجامعات وكذلك بالمساجد والمنابر والهيئات الدينية التابعة بالداخل والخارج ، بينما دول أخرى كتونس مثلا ، رغم عدم تبنيها لفكر ابن تيمية بالمؤسسات التعليمة ، إلا أن الكثير من مساجدها وحلقاتها الدينية تبنت ذلك الفكر فأنتجت عن طريقها متطرفين جاهزين للإغراءات الداعشية ..
السؤال : لماذا نحكر الإرث الإسلامي بابن تيمية وتوجهاته وتلامذته !؟ إن الإرث الإسلامي واسع وغني ، فبدلا من إحياء تراث ابن تيمية يمكن إحياء تراث ابن رشد مثلا ، فهو أيضا عالم مسلم يتبع الله ورسوله ، وذلك يراعي رغبة المجتمع بعدم تخليه عن الدين بالوقت الذي يجعلنا نتبنى آلية دينية منفتحة ومتسامحة بعيدا عن الانغلاق والتطرف وفتاوى التكفير الكارثية والتحريضية ..


*المعالجة الجذرية والفكرية والثقافية رغم أهميتها وضرورة البدء بها فورا ، إلا إنها حصانة للمستقبل ولن نحصد ثمارها عاجلا ، فالخطر العاجل والحالي مواجهته أمنية بالدرجة الأولى ، لذلك أعتبر تكاتف المجتمع مع رجال الأمن واجباً وطنياً وإنسانيا وعلينا جميعا الالتزام به ..


*التلذذ بالاستشهاد لا يعكس فكراً إنسانيا بناءً ، فالشهادة قدر ونتيجة وليست هدفا أو غاية ، وتحويلها إلى غاية يهدم ولا يخدم ، من يستشهد من أبناء المجتمع هم من خيرة الشباب وأحسنهم ، وحياتهم أولى من شهادتهم ..
نعم تلك الشهادة كانت نتيجة لهدف أسمى مثل حماية الإنسان وحماية الوطن ، فذلك هو الهدف الذي نتج عنه الاستشهاد وليس العكس ..
فأرجو أن لا نحول الشهادة إلى حلم يراود شبابنا ، علينا أن نعلي من قيمة الحياة بمقابل الموت بكل أشكاله وعناوينه ..



*شخصيا لا أجد معنى لتعزيز الهوية المذهبية وتعميقها كرد فعل على الاستهداف الداعشي ، أنت ستصرخ هيهات منا الذلة ولبيك يا حسين والله لن تمحو ذكرنا وتذهب بصدر عار إلى الحسينية أو المسجد ، والداعشي سيصرخ لا للذل ولا للهوان ولله العزة ولرسوله والله أكبر ويفجرك بحزامه الناسف بالحسينية ذاتها أو المسجد عينه !
أنت ستعتبر نفسك شهيدا للحسين ونصرته بروحك ، والداعشي أيضا سيعتبر نفسه شهيدا للحق ونصرته بروحه !
بتصوري المطلوب في مواجهة خطر كهذا ليس تحديا عقائديا على حساب الإنسان وسلامته ، بل حكمة تحافظ على أكبر عدد ممكن من الأرواح البشرية وتعزز الإمكانات الوقائية والدفاعية لحماية حياة الإنسان ، وذلك لا يعني ذلة ولا يعني هزيمة للحسين (ع) !



* المناسبات الشيعية الدينية كثيرة وليست فقط في محرم ، شخصيا أتحفظ على كثير منها لا سيما المتعلقة بالحزن والعزاء ، لكن اختلافي أو تحفظي لا يعني عدم إيماني بحق ممارستها بأمان لمن يؤمن بها ، وللحصول على أمان أعلى في ظل هذا الاستهداف والتهديد أتصور أن تخفيف التجمعات وتوزيع أعدادها يساعد في عملية تأمينها وحمايتها ، فعوضا عن تكدس أهالي الدمام والخبر في مداخل سيهات والقطيف -لاسيما مؤخرا مع زيادة نقاط التفتيش- وتجمعهم في ساحاتها بالمواسم ، أجد من الأنسب أن تسمح الجهات المعنية لهم بإقامة مجالسهم الحسينية ومناسباتهم في أحيائهم بالدمام أو الخبر ، بحيث تقل الأعداد في سيهات وتتوزع في مناطق سكنها مما يسهل تأمينها وحمايتها داخل أماكن مغلقة دون الحاجة للساحات والطرقات ..



الخطر والتهديد حقيقي بحجم الوطن ، ومواجهته لا يكفيه مقال ولا رأي ولا جهود فردية ، هذا وقت التلاحم والتعالي على المذاهب والعنصريات والحزازيات ، والعمل على خطة استراتيجية جذرية دينية وفكرية وثقافية واجتماعية ..
فنحن لسنا بخير وهناك خلل ما علينا مواجهته وإصلاحه !

الأربعاء، 8 يوليو 2015

استبداد من نوع آخر !


ليس عجيبا أن يخرج غوغائيٌ من هنا أو هناك مدافعا عن التحريض ولا يفرق بين التطرف والتسامح إلا بمعيار الطائفية ..
لكن العجيب أن يكون ذلك ممن يحسب نفسه مثقفا كبيرا وتنويريا كاملا ومناضلا سياسيا بطلا !
ليمارس استبداده الثقافي حراسةً للجهل والتحريض والتطرف والغلو ومصادرة العقول ، معايراً هذا ومستنقصا ذاك ..

بتصوري بُلينا بقوم يحسبون مواقفهم السياسية المعارضة معيارا وشرطا للفكر والثقافة والتنوير ! بغض النظر عن حماقاتهم وتجاربهم الفاشلة ، فهم الحقيقة وهم المعيار ..
ينقدون الاستبداد السياسي وهم يمارسونه بمعارضتهم السياسية ، فإما تتبنى موقف المعارضة الذي يتبنونه ، أو إنك صبي صغير ناقص وأبله ، لا سيما آنك لم تطبق الرؤية "المقدسة" لادوارد سعيد بأن من وظائف المثقف إزعاج السلطات !

لا أدري كيف يعتبرون المطالبة بالحقوق و السعي نحو الازدهار لا يكون إلا بمعارضة سياسية يسارية لا تخلو من حماقة !؟

العمل متنوع وأشكال التأثير والمطالبة مختلفة ، وذلك من بدهيات الفهم اللازم لطبيعة سير الحياة ، والحسم في القضايا الجدلية لا يكون إلا من المتعنتين والمتنمرين فكريا ..

فإذا كان من حقك أن تعارض ، لمَ لا يحق لغيرك أن يؤيد !؟ وإذا كنت لا تقبل اعتبار المعارضة عمالة وخيانة للوطن ، فلمَ تعتبر التأييد نقيضا للحقوق والحريات ومرادفا للتطبيل والانبطاح !؟

الأوليات والرؤى تختلف وذلك طبعي ، هناك من يرى علتنا الكبرى بالاستبداد السياسي والحلول تبدأ من السياسي وكل مشاكلنا يتحمل مسؤوليتها السياسي !
وتلك رؤية ليست بالجديدة على مستوى العالم ، وقادها مثقفون بعالمنا العربي من القرن الماضي ، ونجحوا بإزالة أنظمة مستبدة طالما اعتبروها العلة الكبرى ، لكنهم فشلوا بمعالجة مشاكلهم كما كانوا يحلمون أو يتوهمون ، فرحل استبداد سياسي وجاء استبداد سياسي آخر ..

لأن أساس الاستبداد ليس بالسياسية ؛ أو هكذا يتبنى آخرون !
بل في عقولنا الفردية والاجتماعية المستبدة ، التي تنتظر الفرصة لتطلق العنان لاستبدادها وتسلطها وفوقيتها ..
الاستبداد الاجتماعي هو الذي يفرز لنا الاستبداد السياسي وليس العكس ..
نحن مجتمعات وعقليات مستبدة لا تفهم ولا تعي معنى العدالة ، والأعجب إننا شوّهنا العدالة وأصبحنا نمارس الاستبداد الاجتماعي باسم العدالة !

وبعدما اعتدنا على وجود حراس الدين والفضيلة والأخلاق ،  أفرزنا من خلال عقولنا المستبدة حراسا بنوعية جديدة لحراسة الثقافة والتنوير والحقوق بكل فوقية وعنجهية وغطرسة ، وكل واحد منهم مستبد على قده !

أولئك لا يمكن الوثوق بهم مهما تحدثوا باسم الحرية والحقوق والعدالة وأدانوا الاستبداد والتسلط والتعسف ، لأنهم ليس بأفضل حال !
بل قد يكونوا أسوأ ، فهم بلا سلطة حقيقية ومستبدون ، فكيف يصل بهم الأمر لو كانت كلمتهم آمرة وناهية !؟

أسهل ما يمكن القيام به أن نرمي مسؤولية تخلفنا وفسادنا واستبدادنا على السياسي ١٠٠٪ ، والتظاهر بأننا مجتمع فاضل وقويم لولا ذلك السياسي الذي أفسدنا !

لكن تلك الكذبة لن تغير من واقعنا شيئا يذكر ، سنبقى ننتج الاستبداد والفساد على جميع المستويات ، وسنبقى مجتمعات متخلفة وحمقاء وغير محصنة و يمكن لأي قوة سياسية واستكبارية استغلال حماقاتها وثغراتها لصالح مشاريعها و طغيانها ..

أعتقد أن مشكلتنا فكرية ثقافية اجتماعية قبل أن تكون سياسية ، وحين نكون مجتمعات تطبق العدالة والحرية على المستوى الفكري والاجتماعي والفردي ، ونتخلص من استبدادنا وتخلفنا تجاه الاختلاف والتنوع بكل مستوياته ، ونقدر الإنسان بعيدا عن مظهره وفكره وميوله وقناعاته و .. الخ ، سنكون مجتمعات حرة ومحصنة ضد أي استغلال أو استبداد ، وسيكون الإصلاح السياسي تحصيل حاصل !

الجمعة، 3 يوليو 2015

تنير لنا الطريق



رغم الرَّحيل والغياب، إلا أنّك باقٍ في دواخلنا، ولا زالت كلماتك ترنّ في عقولنا. وبعد أربعة أعوام، اكتشفت الكثير من خلالك، ولا زلت يوماً بعد يوم أكتشف المزيد.

لقد أشرت إلى الطّريق ـ وطريقك لم يكن كغيرك، طريق الإيمان المسبق الموروث أو الشخصي ـ وقد كان طريق العقل والتأمّل، كانت لك محطّات وصول في هذا الطّريق، رأيت أهميتها والتوقّف عندها، ومع ذلك، لم تلزم أحداً بمحطّاتك، بل كنت تدعو إلى عدم التوقّف في هذه المحطة أو تلك لمجرّد أنك توقفت بها، ما لم تكن وقفاتنا عن تعقل وقناعة. ولأننا مسؤولون أمام الله، أكَّدت لنا أن وحده العقل حجة الله علينا، لذلك كنت تقول: "عقل الآخرين ليس حجّة لك أمام الله، بل عقلك هو الحجّة الّتي يمكن أن تقدّمها بين يدي الله، ويمكن أن يطالبك الله بها، ولذلك أعطى الله المنهج في قوله تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً}، فالله تعالى لا يريد لك أن تبني فكرك على التقليد، فلا يكن فكرك فكر الاستهلاك، بل فكر الإنتاج وفكر الإبداع".

فكم كانت كلماتك تحمل في دلالاتها الكثير من العمق والتحفيز على إعمال العقل! لم تكن يوماً ممن يخاف من عقول الآخرين، ولم تؤسّس لكلّ من كان يسمعك أو يتأثر فيك، لعقدة الخوف من العقل، لأنك كنت تثق بأن العقل هو الطريق إلى الله، فلم تدعُ يوماً إلى تقديس الأشخاص وتعطيل العقول أمامهم، أيّا كانواً، وقد كنت تأنس بمشاركتك التفكير، بدلاً من تلقينك لفكرك دون مناقشة أو حوار، وكيف لا وقد كنت تردّد: "أيها الأحبة؛ أحبّ أن تفكّروا معي، لا أن تستمعوا إليّ فقط، لأني كما عوّدتكم، لا أستهلك الكلام معكم، أريد أن أفكّر وتفكّروا، لأني أريد لكم أن ترتفعوا إلى المستوى الّذي يريدنا الله أن نرتفع إليه من الوعي، رسالتي معكم هي رسالة الوعي".

نعم، نفتقد تلك الرّحابة اليوم، كنت عقلاً يتسع لجميع التساؤلات، وقلباً يتّسع لجميع أشكال الاختلاف، لم ترهب أحداً ردّاً على تساؤل، ولم تكفّر أو تضلّل أحداً كردّ فعل على الاختلاف، لم يكن هدفك إلزام الآخرين بفكرك، بقدر عملك على زرع الوعي الإنساني، وتحرير العقول، والتخلّص من كلّ ما يدعو إلى الجهل أو التخلّف، فكنت صاحب قوّة فكريّة وعقليّة ترقى عن النّزول إلى مستوى رفض المختلف أو إرهابه، ليبقى تساؤلك الواعي بلا إجابة لدى الكثير من مرضى اليوم، المصابين بعقدة الاختلاف، وكان تساؤلك: "إذا اعتبرت أنّك إنسان تفهم الواقع جيّداً، فلماذا تسبّ وتشتم وتعادي وتحقد وتدمّر الّذي يختلف معك؟!". وتضيف في موضع آخر: "إنّ الإنسان الّذي لا يسمح لنفسه بالانفتاح على الآخرين، هو إنسان ضعيف الحجّة في رحاب الفكرة". كنت تسعى لكسر هالة القداسة في الحوار، فعلّمتنا أن لا مقدّسات في الحوار، بقولك: "إنّ الله علَّمنا أن نحاور كلّ الناس، ولا توجد مقدّسات في الحوار، فقد حاور الله تعالى إبليس، فهل هناك من النّاس من هو مثل إبليس؟"، محذّراً بشكل دائم من مستنقع التعصّب الذي بطبيعته يصادر العقل ويعزّز الجهل: "المتعصب إنسان أعمى لا يفكّر فيما يلتزم به من موقع عقل وعلم". ومع ذلك، كنت تشير إلى الوقوع في الخطأ، وأنّ المشكلة ليست بالخطأ نفسه، بل بكيفيّة التعامل معه، من خلال تحذيرك الواعي: "لا تكن من الناس الذين يحاولون الدفاع عن أخطائهم، لتكن عندنا شجاعة الاعتراف بالخطأ عندما تخطئ، وشجاعة التواضع أمام الصّواب عندما نصيب".

سيّدي محمد حسين فضل الله، لا زال هناك من يهاجم العقول لمجرّد أنها فكّرت بشكل مختلف، ويرهب الأشخاص لمجرّد أنهم عبّروا عن اختلافهم، لا زلنا نقبع بجهل بعيد عن كلّ ما يحمله فكرك من وعي نحتاجه اليوم ونفتقده. لا يمكنني أن أقارنك بغيرك من رجال الدّين، لأنّ المقارنة ظالمة، فأنت حالة استثنائيّة خاصّة وفريدة، أنت إنسان أوسع من رجل دين، وفكر أكبر وأعمق من مرجعيّة فقهيّة، وشخصية حياتها بعمر الزمن، تعيش للمستقبل، وتحيا في أصالة التاريخ القادم.

استطعت الجمع بين العقلانية والمحبّة في التعاطي مع الكلّ، وأسَّست لثقافة الإنسانيّة في وسط لا زال يعيش بعيداً عنها، لم تسعَ لفرض أفكارك بالإكراه، بقدر العمل على التأسيس لآليّة فكريّة ذات منهجية عقلانية، كنت تعلم أنّ الإنسانية هي العقل، وأنَّ العقل هو الإنسانيّة، تنبّأت بهجمات التخلّف من خلال معرفتك العميقة بواقع مجتمعاتنا، وحذّرت منها بقولك: "إنّي أطلب من أبنائي وبناتي وأحبّائي من هذا الجيل الشّابّ، أن يتابعوا خطّ الوعي، وأن لا يسقطوا تحت تأثير هجمات التخلّف، فالوعي سوف ينتصر ولو بعد حين"، موضحاً في موقع آخر: "لا تستضعف نفسك؛ بل حاول أن تكون قوياً، فليس هناك إنسان ربّاً لإنسان"، مؤكّداً في الوقت ذاته أنه سيبقى هناك من يرفض التّفكير ولا يقبله: "بعضنا يخاف أن يفكّر، لأنه إذا فكّر، فقد يتبدّل كلّ كيانه الفكري، ويستوحش من كلّ تاريخ التخلّف الذي عاشه".

أيها السيّد الجليل، قد تأخذنا الأفكار إلى هنا أو هناك، ونمرّ بتحوّلات أو منعطفات فكريّة أو حتى إيمانيّة، لكنك تبقى الروح الحيّة في عقولنا ودواخلنا، تبقى آليّتك الفكريّة منارة تضيء لكلّ تائه أو باحث، تبقى كلماتك مصدراً للإلهام والشجاعة، للتجرّؤ على التفكير خارج الصّندوق، ستبقى أنت الفضل من الله الّذي لا يمكننا إلا الوفاء له والإخلاص لأثره الّذي لا زال ينير عقولنا ويطمئن نفوسنا.


*ملاحظة : المقال من الذكرى الرابعة لرحيل السيد ، أعيد نشره بمناسبة الذكرى الخامسة وليتم أرشفته بالمدونة ..

الاثنين، 29 يونيو 2015

دمشقيات رمضانية

سلسلة دمشقيات رمضانية من مجموعة الرأي الآخر ، تحت محور عادات الشعوب في شهر رمضان الكريم ..


دمشقيات رمضانية 1⃣

يطول الحديث عن العادات الرمضانية في سوريا ، وقد يصعب حصرها كون سوريا عدة مجتمعات في بلد واحد تعيش بعض الاختلافات فيما بينها ببعض العادات والتقاليد ..

لكني سأتحدث عن عادات مدينة دمشق تحديدا ، أو "الشام" كما يحلو لأهلها وبقية السوريين تسميتها ، وذلك لقربي منها وشعوري بالانتماء إليها ، فهي مدينة أمي وأهلي في سوريا الحبيبة ..

طبعا الجدير بالذكر ، إن رمضان الدمشقي حاليا تناقصت فيه كثير من العادات والتقاليد نتيجة الأزمة الدامية والمهلكة نفسيا وماديا هناك ، فاليوم رمضان يكاد يخلو من الزيارات نتيجة تدهور الوضع الأمني وخوف الناس من الخروج من بيوتها والتنقل بين المناطق والأحياء لا سيما ليلا ، وتكاد ينقطع تبادل أطباق الأطعمة بين البيوت والجيران ، ولم يعد التموين الغذائي للشهر كما كان سابقا ، نتيجة الغلاء الفاحش جدا في أسعار المأكولات من لحوم وألبان وأجبان وكل أنواع الأطعمة والمواد الغذائية ، وإلى اليوم لم تستقر الأوضاع وتثبت العادات الطارئة نتيجة الأزمة ..

لذلك حديثي عن رمضان قبل الأزمة بشكل أساسي ، التي لا زالت بعض الأسر والعوائل تحرص على تحقيق جميع العادات كشكل من أشكال التحدي والتعبير عن الرغبة بالحياة بشكل طبعي رغم الصعوبات والظروف ..

يتبع >>
________________


دمشقيات رمضانية 2⃣

يبدأ الاستعداد لرمضان قبل قدومه من خلال بعض العادات في شعبان ، أشهرها "تكريزة رمضان" وهي سيران عائلي يبدأ مع بداية اليوم في أحد أرياف دمشق الجميلة ، مثل الربوه أو عين الفيجة وبعضهم في يعفور ، المهم عادة أن تكون على ضفاف نهر ، قد يجتمع في "التكريزة" أيضا المعارف المقربين والأصدقاء ، هي أشبه بتوديع الفطر والاستعداد للصيام ، من خلال حفلة طعام مليئة بما لذ وطاب من سلطات ومقبلات ومشاوي وفواكه ، وعادة يتم إعداد الطعام بالكامل خلال الطلعة من قبل نساء العائلة ؛ وهناك من يساعدهم من الرجال الذين ينشغلون عادة بلعب الطاولة أو الشدّة (ورق اللعب) ..

قد يصطحبون معهم عودا أو طبلة ، وتجد الشباب يعزفون ويغنون ،  في أجواء جميلة جدا مليئة بالبهجة والوئام والحب ..

تستمر الرحلة التي تشمل عادة الفطور والغداء ، والعشاء أحيانا ؛ إلى الليل ويعودون إلى بيوتهم ..

يتبع >>
______________________


دمشقيات رمضانية 3⃣


يدخل شهر رمضان على دمشق بالحب والكلمة والطيبة وصلة الرحم والزينة ، فتسمع عبارات التهنئة من كل مكان حولك ، والزيارات العائلية تكون في عزها ، وتجد الحارات القديمة تتلألأ بالأنوار وبعضهم يضيف على الأبواب بعض الآيات القرآنية ، و الأسواق الشعبية مثل سوق الحميدية وسوق الحريري والبزورية وغيرها مليئة بالزينة والظواهر الاستثنائية احتفاءً برمضان ..

تكثر البسطات والباعة المتجولون لبيع أشهر المأكولات والمشروبات التي ارتبطت برمضان الدمشقي ..

فلا يمكنك أن تتمشى بشوارع الشام خلال الشهر الفضيل دون أن تلاحظ انتشار عربات "الناعم" ، والناعم أكلة شعبية خفيفة ارتبطت برمضان عبارة عن عجينة (رغيف رقيق) تشبه الخبز يتم تحضيرها بشكل خاص مابين الشوي والقلي ، ومع تغطيتها بالدبس السائل المذاب على شكل خيوط متداخلة تكون جاهزة للأكل ..
وكذلك يكثر باعة "المعروك" وهو نوع من المعجنات أو المخبوزات ارتبط محليا بالشهر الفضيل ..

بالإضافة للتسقية التي لا تخلو مائدة منها في رمضان ، بالإضافة للأطباق الرئيسية الرمضانية ولا سيما تلك المطبوخة باللبن ، مثل "شيخ المحشي" وهو كوسا محشية باللحم تطبخ باللبن وتقدم مع الأرز بالشعيرية ، وكذلك أكلة "الشاكرية" لحم طري مطبوخ باللبن ، أو "الباشا وعساكره" وهي قطع عجين محشية باللحم مع كبة لبنية تطبخ سويا باللبن ، وغيرها الكثير من الأطباق ..

والحلو "النهش" وعادة لا يظهر إلا برمضان ويتم بيعه بكثرة ، وعو عبارة عن رقائق من العجين المسقى بالحليب والسمن البلدي والسكر والمحشو بالقشطة ..
أو الوربات بقشطة مع الفستق وغيرها من الحلويات الدمشقية ..

وبالنسبة للمشروبات فقد ارتبط مشروب "العرق سوس" برمضان ، حتى يكاد لا تخلو مائدة رمضانية دمشقية من ذلك المشروب إلا فيما ندر ، بالإضافة لمشروب قمر الدين و التمر الهندي أو التوت الشامي في بعض الأحيان ..

الفواكه بأنواعها الغنية هناك ، مهمة جدا بين الفطور والسحور ، ورفيقة الجلسات والاستقبالات خلال الشهر ..
السحور عادة أخف من الفطور ، ويتم التركيز باحتوائه على الخضار وبعض الأطعمة كالجبن والزيتون والبيض والزعتر والمربى بأنواعه ، والمشروب الرئيسي على السحور هو الشاي ..

يتبع >>
_____________________


دمشقيات رمضانية 4⃣


في رمضان تحديدا تزدهر فرق المولوية أو الدراويش وفرق الإنشاد الديني والمدائح النبوية ، وجميعها تقريبا تعتمد على الموشحات الصوفية ، ويتم استضافتها بالحارات القديمة وبعض الجوامع ، وتسمى رقصة المولوية شعبيا بـ "فتلة الدراويش" ، وتكون محل جذب للكثيرين ، وبالسنوات الأخيرة ومع دخول ثقافة الخيمات الرمضانية إلى دمشق أصبحت هي الأخرى تحرص على استضافة العديد من تلك الفرق ..

اللافت أن المراكز الثقافية الأجنبية في دمشق ، مثل المركز الثقافي الأسباني أو المركز الثقافي الروسي وغيرهم ، أصبحت أيضا تستضيف تلك الفرق ولا سيما "فتلة الدراويش" في فعالياتهم المقامة خلال شهر رمضان ..

وتزداد الجوامع التي تقيم برامج دروس دينية في ليالي رمضان ، ولها مرتادوها ومحبوها ، لفتني في إعلان أحد الدروس أن التركيز لم يكن على الفقه أو العقيدة ، بل كان عبارة عن سلسلة من الحلقات اليومية خلال الشهر عن التعامل الحسن ومكارم الأخلاق !

كما إنه يوجد هناك صالونات ثقافية محلية خاصة برمضان ، وغالبا تحت إشراف المديريات الثقافية ، نشطت مؤخرا مديرية الثقافة بريف دمشق من خلال حرصها على جعل الصالون الثقافي في رمضان متميزا وجاذبا باستضافتها لفنانين ورسامين وموسيقين وغيرهم ..

لكن الأجواء الشعبية البسيطة هي الأطغى على الأجواء ، فإلى اليوم رغم الأزمة تسمع صوت مدفع الإفطار - وكأن ناقصهم أصوات مدافع - ، ولا زال المسحراتي يتجول في حارات دمشق بترديد شعاراته الشهيرة "يا نايم قوم وحد الدايم" ، ويطلق عليه محليا اسم "أبو طبلة" وذلك لمرافقة الطبلة معه في جولاته ..

كما أن مقهى "النوفرة" الدمشقي الشهير ، لا زال يحرص على استضافة "الحكواتي" في ليالي رمضان ، واللافت هو الازدحام الحاصل حوله على الرغم من التقدم المرئي والمسلسلات التلفزيونية ، لكن يبدو بأن لكل "جو" جماهيره ، ولا زال الحكواتي يجذب جزءا من الجمهور بمختلف الأعمار خلال شهر رمضان المبارك ..

من العادات السيئة ارتباط "الأرجيلة" أو المعسل بجميع الجلسات الرمضانية في دمشق ، سواء المقاهي أو الخيم الرمضانية ، وحتى شرفات المنازل ، ولها قبول شعبي كبير جدا رغم مضارها الصحية على الإنسان ..

يتبع >>

___________________


دمشقيات رمضانية 5⃣


هناك تصنيف شعبي يردده بعضهم لاختصار رمضان بجملة : مرق وخِرَق وصر ورق !

حيث يتم تسمية العشرة الأولى من رمضان بـ "المرق" إشارة لإقبال الناس على المرق والطعام والانشغال به بشكل كامل تقريبا خلال تلك الأيام ..

والعشرة الثانية بـ "الخِرَق" إشارة لانشغال الناس خلالها بشراء الملابس الجديدة والاستعداد لكسوة العيد ، وهي محل اهتمام كبير للدرجة التي قد يتعرض فيها الطفل للتعيير من قبل بقية الأطفال إن لم يكن مرتديا لبسا جديدا ومرتبا بالعيد ، وقد يتعرض الكبير أيضا للغيبة من قبل بعض الكبار ..


والعشرة الأخيرة بـ "صر ورق" وفيها تنشغل البيوت بالتجهيز لحلوى العيد ، هناك من يشتري الحلوى جاهزة من محلات الحلويات الدمشقية الشهيرة بالميدان مثلا ..
لكن يمكن اعتبار الأغلبية أنها تقوم بتجهيز الحلوى منزليا ، ولتجهيز الحلوى مكانة في البيوت الدمشقية وأهمية لافتة ، بعضهم يفضل المعمول سواء بالفستق الحلبي أو بالتمر ، أو الكنافة بأنواعها المبرومة والنابلسية وغيرها ..


الدمشقيون بعامة يحبون الحياة وكثير منهم يتحدى الظروف والصعوبات ، ويتألمون على بلدهم وحال مدينتهم وتدهور الأوضاع من سيء إلى أسوأ ، وشخصيا أعيش جزءا من ذلك الألم وفي القلب حرقة وحسرة على بلد كان يسير على خطى من التقدم والازدهار ولم يكن في جمود أو في طريقه نحو التراجع ، أشعر دائما بأني ابن سوريا وابن الشام مدينة الياسمين (دمشق) ، ولا زلت آمل أن تعود أفضل وأقوى مما كانت ، وأن تعود العافية لرمضانها وأعيادها وأيامها ..

ويبقى الحصر في موضوع كهذا صعبا جدا ، لكن ذلك أبرز ما جاء في بالي مع التحية ..


* انتهى 




الأربعاء، 3 يونيو 2015

ماذا كشفت عنود الدمام !؟

وضرب الإرهاب مدينة الدمام الحبيبة ، هذه المدينة التي عانت بنيتها التحتية من الشيخوخة المبكرة رغم حداثة سنها ، بالإضافة إلى الشعور الدائم لدى كثير من أهلها بأنها مدينة عمل فقط ، ليبقى انتماؤهم لمدنهم الأصلية هو الأقوى !

راح ضحية ذلك الإرهاب أبطال شهداء لن ينساهم مسجد الإمام الحسين (ع) ولن تنساهم العنود والدمام والمنطقة ولن ينساهم التاريخ ، تصدوا للعار والخزي والوحشية بأجسادهم وأرواحهم ، في سبيل حماية الآخرين والحفاظ على حياتهم وسلامتهم ..

موقف أهاليهم يعكس نموذجا استثنائيا بالتعامل مع الحدث ، كان موقف كل أم وكل أب من هؤلاء الشهداء حكاية ودرساً من نوع آخر ترك أثره بالنفوس والعقول معا ..

كل المواطنين تفاعلوا مع الحدث ، كانت صدمة غير متوقعة لاسيما أن الناس لم تفق بعد من فاجعة القديح التي كانت قبلها باسبوع واحد فقط ، نتيجة تفجير انتحاري نجح منفذه بالدخول إلى عمق المسجد هناك وراح ضحيته كوكبة من الشهداء ..

شخصيا ؛ أعجبت بهذه اللحمة الاجتماعية التي طغت على الأحداث ، كما كان تفاعل الأهالي والمتطوعون المتفانون في خدمة مواكب التشييع والعزاء محل إعجاب كبير ، اللجان والتنظيم والتجهيز والترتيب ، كله يكشف عن قدرة هائلة على العطاء والإحساس بالمسؤولية ..

لكن أقلقني من بين كل تلك الإيجابيات والدروس ، العناوين التي غطت الأذهان بالحدث الأخير بعنود الدمام ..

لا اختلاف حول شرف الشهادة ورفعتها ، لكن عقلية القرابين وثقافة الموت التي ملأت الأحاديث تدعو للقلق !
بتصوري لم يكن باقيا إلا القليل فقط ؛ ليتم تقديم شكر لداعش كونها فجرت الشباب وحولتهم إلى شهداء ! وكثرت رغبات الشباب بالاستشهاد بذات الطريقة ، وتحت عناوين دينية من قبيل : "الشهادة بخط أبا عبدالله" و "طريق أهل البيت" !

وبذلك نعزز الدعوة للموت بعنوان الشهادة ، تماما كما تعزز داعش الدعوة للموت وترغيبه بين منتسبيها بعنوان الشهادة أيضا !

باعتقادي علينا محاربة ثقافة الموت بكل أشكالها ، وذلك لا يعني محاربة الموت ذاته الذي هو حق علينا جميعا ..
لكن الموت في وقته وتبعا لظروفه وبعد انتهاء دورة الحياة الطبيعية لكل منا ، من تنتهي حياته قبل ذلك نتيجة تفجير إرهابي هو شهيد بلا شك ، لكن لا ينبغي أن نكون سعداء ! وأن نجعل من ذلك حلماً لبقية الشباب الأحياء ، ولا أن نستقبله بعقلية القرابين للأئمة الأموات (ع) أو للرموز والمقدسات !

دماؤنا جميعا غالية ، وعلينا أن نطمح للبقاء وأن نحب الحياة ونسعد حين يموت كل منا في فراشه وبعد انتهاء دورة حياته بشكل طبعي ، ونفخر به حين يترك أثره بالجمال والفن والعطاء الإنساني ..

الاستشهاد حالة طارئة وليست هدفا نطمح إليه أو ندعو له وإن كان ذلك بعناوين دينية جذابة !
لكنها تخطف الشباب وتخطف عطاءهم وتخطف أحلامهم وطموحاتهم .

ومن جهة أخرى ؛ كما وجدنا المكون الاجتماعي للشيعة رغم مصابهم صابرين ومتسامحين مع الآخر ومتمسكين بالوحدة والحكمة ، إلا أنه من اللافت التشدد والعنف الفكري مع المختلف بالداخل !

محاولة إقصاء الأستاذة كوثر الأربش من الحدث وسلبها أمومتها وشرف استشهاد ابنها بأبشع الطرق والوسائل ، لم يكن لائقا بمجتمع يتغنى بطيبته وتسامحه ، ويطرح عدة علامات استفهام حول المبادئ والقيم والأخلاقيات التي ندعي تمتعنا بها !

وكذلك الاعتداء الجسدي الذي تعرض له الأستاذ وليد سليس أثناء تشييع أحد شهداء القديح في وضح النهار وأمام الناس ، يعكس مؤشرا خطيرا في طريقة تعاملنا مع من يختلف معنا في أفكارنا ومواقفنا ..

علينا التشديد على مراجعة الذات ، والحذر من الانزلاق في فخ الانتصار للمذهب في ظروف كهذه ، وأن يبقى تركيزنا على الإنسان وتنميته أيا كان فكره أو معتقده أو توجهه ، بعيدا عن الإقصاء والمزايدة وتعزيز الهويات المذهبية ، فكل ذلك قنابل موقوتة ووسائل تحريضية قد تؤدي إلى أمور مدمرة ..

جميعنا في هذا المجتمع شريك في مواجهة الخطر وتحمل المسؤولية والعمل على تعزيز أفراده إنسانيا بما يتناسب مع حقوقهم وحرياتهم الفردية ..

أثق بقوة جهازنا الأمني وقدرته على مواجهة الخطر الداعشي ، لكن القلق والخوف والحذر الإيجابي والأخذ بالاحتياطات على محمل الجدية العالية أمر مطلوب ، إذ لا أحد منا يعلم ما تخبئه لنا الأيام القادمة ، قد نكون جميعا أمام مواجهة كبرى لا تقل خطورتها عما يجري بالمنطقة !
تحتم علينا الترفع عن النزاعات والصراعات وتأجيجها ، وأن نقف صفا واحدا منيعا ضد كل محاولات زعزعة أمننا وسلمنا الاجتماعي ، والعمل على خطة جذرية ثقافية ومذهبية ودينية ، بالإضافة للدور الأمني البالغ الأهمية الذي يقع على عاتق الدولة ..

همسة : لا نأمن للمذاهب فهي لن تحمينا !

تحية وفاء وامتنان لأرواح الشهداء : محمد جمعة الأربش وأخوه عبدالجليل ، ومحمد حسن العيسى ، والسيد هادي الهاشم ، حماة الإنسانية والسلام والمحبة !
ولعوائلهم الكريمة وأمهاتهم وآبائهم الشرفاء كل العزاء والمواساة والتقدير والاحترام ..

السبت، 23 مايو 2015

الإرهاب له دين لا يعترف بالإنسان والأوطان !


كل كلمات الإدانة والتجريم ليست كافية لمواساة أهالي القديح بالقطيف ، الذين فقدوا شبابهم وأطفالهم بتفجير إرهابي ديني حاقد في داخل أحد المساجد الشيعية في يوم الجمعة ، بلا تفريق بين مسالم بريء وغيره ..

نعم التفجير يستهدف أمن الوطن ككل ، وقلتها منذ أحداث الدالوة إن ذلك النوع من الجرائم الإرهابية يسعى حسب تصوري لزعزعة الثقة بين أبناء الوطن على أساس طائفي ، بإطار خطة تم الحديث عنها مرارا بالخارج لفصل المنطقة الشرقية عن باقي المملكة ..

ومع تصوري أن هناك خطة وأيادي استخباراتية ، إلا أنه لا يغير شيئا أيا كانت تلك الخطة أو الأيادي فلا يمكنها عمل شيئا بوجود الأرضية المحصنة فكريا وثقافيا وغياب الأرضية المهيئة !

فالتربة الفكرية والثقافية الدينية التي ربينا عليها ، خصبة جدا لزرع كل أنواع العنصريات ولا سيما المذهبية والطائفية ..

هذا الذي فجّر نفسه وضحى بحياته لا يسأل عن المال ولا عن السلطة ولا عن المصالح الخارجية ، بل هو مؤمن تماما أنه يفجّر نفسه ليقتل كفارا يتقرب بهم إلى الله طمعا بالمكانة العالية بالجنة حيث الشهداء المخلصين لدينهم !

نعم هو والآلاف غيره من السعوديين الذين يقاتلون ويحاربون في صفوف داعش أو القاعدة وغيرهما من المنظمات الجهادية الدينية ، إرهابيون باتفاق الغالبية ، لكنهم متدينون بالنهاية ، يقومون بإرهابهم بناء على فتاوى دينية وتحريض ديني ودفاعا عن الدين ، جميعهم أبناء هذا البلد وهذا الوطن لم يأتوا من الخارج ، فهم يريدون الانتقام من شيعة إيران أو العراق ، والانتصار للسنة هناك من خلال شيعة الوطن وأمنه وسلمه الاجتماعي ، ورأينا من يبرر ويتفهم ذلك باسم الدين ووجوب الدفاع عن السنة أو عن عرض النبي (ص) كما يتوهمون !

ترديدنا لعبارة "الإرهاب لا دين له" هو مجرد هروب من حقيقة إن الإرهاب الذي نعيشه له دين !
تبرئة الدين المتداول تلميعا لصورته يكلفنا أرواحا بشرية بريئة وأوطانا  كانت تنعم بالأمن والأمان !
لسنا مضطرين للدفاع عن الدين الذي ابتكروه على حساب أرواحنا ، لأن الدين الرحمة جاء لخدمتنا وليس ليكون عبئا علينا ، نُقتل باسمه ومن خلاله ومع ذلك نستميت بتبرئته وتلميع صورته !
إذا كنا نريد معالجة الإرهاب جذريا فعلينا الاعتراف بدينه وفكره وثقافته ، وغير ذلك سنبقى على ما نحن عليه نردد الإرهاب لا دين له ونشهد بالوقت نفسه تنامي المجموعات الجهادية الدينية من كل الطوائف والمذاهب بالحجج والعقليات ذاتها ..

منذ حادثة الدالوة إلى تفجير القديح ، ماذا فهمنا وماذا غيرنا !؟ 

جاءت ما بينهما عاصفة الحزم باليمن على ضوء اعتداء الحوثيين وإرهابهم ، لنتفاجأ بتفسيرها على المنابر بأنها حرب على الشيعة ككل ! وبدأ التجييش والتحريض والدعاء بالهلاك عليهم من جديد ، ونسينا الدالوة ونسينا اللحمة الوطنية ونسينا أمن البلد ..

شخصيا مع قانون واضح في تجريم الطائفية ومغذيها والمحرضين عليها وكل خطب الكراهية ، وأتمنى صدوره وتطبيقه بشكل فعّال وعملي ، لا سيما وإننا نعيش عهد الحزم بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز حفظه الله ، وما أحوجنا لذلك الحزم في موضوع مؤرق وخطير كالتحريض الطائفي ..

لكن ذلك لن يكون كافيا وإن كان عاملا ضروريا ومطلوبا ، فحاجتنا الأساسية تبقى في معالجة جذرية ثقافية دينية وفكرية ، فنحن لسنا فقط متضررين من إرهاب خارجي ، بل نحن منتجين لكوادر إرهابية وشباب مقاتل بنسب عالية مقارنة مع غيرنا من البلدان والثقافات  ..

بتصوري مشكلتنا دينية ، والهروب من ذلك لا يخدم أحدا ، فلا زلنا نعيش هم الانتصار للدين ، وهم الانتصار للمذهب ، وهم محاربة الأحياء دفاعا عن الأموات أصحاب المكانة الدينية ، وكل ذلك على حساب الإنسان وفكره وتقدمه ..
وما دمنا في تلك العقلية فنحن غير مؤهلين لبناء أوطان ولا حضارة ولا للعيش بتقدم وازدهار ..

علينا الاقتناع بأن الله سبحانه ورسوله (ص) ودينه لا يحتاجون إلينا ، ولا لدفاعنا القاصر ، وعلينا إلغاء التمييز العنصري بناء على الدين ..

علينا إعادة برمجة عقولنا على إن الإنسان بما هو إنسان يبقى طاهرا معصوم الدم والمال والعرض ، أيا كان دينه وأيا كان ربه وأيا كان معتقده ..

فلا تقل لي الإرهاب لا دين له ونحن نكفِّر باسم الدين ، ولا تقل لي الإرهاب لا دين له  ونحن نفرق بتعاملنا مع الناس بناء على الدين ، لا تقل لي الإرهاب لا دين له ونحن ننجس البشر أو نطهرهم بناء على الدين ، لا تقل لي الإرهاب لا دين له ونحن نبيح دم الانسان لأنه بدّل الدين ، لا تقل لي الإرهاب لا دين له ونحن نحاكم الإنسان لأنه ازدرى الدين ، لا تقل لي الإرهاب لا دين له ونحن على استعداد لحرق الناس والدنيا ومافيها لأجل الدين ولأجل شخوصه الذين ماتوا من قبل ألف عام !


عالج ثقافتنا الدينية التي بطبيعتها تؤدي للتطرف والإرهاب ضد المختلف وعلى مر السنوات ، فلا يكفي أن نبيد البعوض دون أن نجفف المستنقع !
وقد سبقتنا أمم بالإرهاب الديني ، لكنهم واجهوا حقيقتهم وحيّدوا الدين وجعلوه حكرا بين العبد وربه ونهضوا وتقدموا ، بينما نحن رددنا الإرهاب لا دين له وبقينا على حالنا !

إن كنا نريد مجتمعا حضاريا ووطنا مزدهرا ومتقدما ومحصنا من إنتاج الإرهاب ، علينا بتنمية الإنسان دون أن نشغل أنفسنا بدينه وإيمانه وكفره !

آن الآوان لنتعلم من تجاربنا وتجارب من سبقونا للحضارة ، حتى لا نبقى نعيش في دوامة من الحمق لا نخدم فيها أحدا ، فلا نحن الذين قدمنا نموذجا دينيا يناقض داعش ، ولا نحن الذين خدمنا الإنسان ، ومع ذلك نعيش غرورا وزهوا بالنفس وغطرسة ليس لها مثيل ، معتقدين بحسد الآخرين لنا لأننا أفضل الأمم والمجتمعات في هذا العالم ، والكل يتآمر علينا لفضائلنا وخصالنا الرفيعة ، وليس استغلالا لجهلنا وحماقتنا !