الثلاثاء، 3 مارس 2015

هل نحن متسامحون !؟

اليوم لم نعد ذلك المجتمع المنغلق على ذاته ، الذي يعيش ما تلقّى من معتقدات وما لقّن من إيمان بحالة من الطمأنينة التي لا تتبدل ، حيث أصبحنا جزءاً من تشكيلة عقدية عالمية ..

لذلك طبعي أن تجد هناك عدة مذاهب في مجتمع واحد كأي مجتمع متنوع ومتعدد بين الإيمان وعدم الإيمان ، فلم تعد المسألة حكرا بين طائفتين كشيعي وسني !
بل أصبحنا نتشكل من جديد ، فتموت قناعات وتتولد قناعات أخرى ..
وبطبيعة مجتمعاتنا المتدينة والمحافظة فهي تقلق من التساؤلات الدينية وتخشى التبدل أو التغيير ، لا سيما إننا ننطلق من فكرة كوننا وحدنا على حق ، وبأن الدين بنسخته التي نؤمن بها نحن أهم ما نملك ولو على حساب الإنسان وفكره وتقدمه بغض النظر عن أي اعتبارات أخرى ..

وهذا ما جعل كثيرا من مواقفنا وقناعاتنا تعتمد بشكل أساس على ما نعتقده من منظومة دينية خاصة ، وبواقع الحال فإن مشاكلنا وعنصرياتنا وتحزباتنا ونزاعاتنا تعتمد على ذلك أيضا ..
وبالرغم من إننا كمجتمع شيعي نعتبر أقلية مع المجتمع الأكبر ، وإننا أكثر من ينادي بالتسامح الديني والمذهبي ويدعو إلى حرية الاعتقاد وممارسته ، إلا إننا نسقط عند حد معين من حدود الإيمان لنكون كغيرنا من المتطرفين أو التكفيرين والإقصائيين ، وذلك لا يسمح بوجود تسامح ديني صادق حقيقي على أرض الواقع سواء بالنسبة لنا أو بالنسبة للجميع ..

فإذا كنا صادقين في دعوتنا علينا أن نفهم أن التسامح الديني ليس فقط مع من نرضى عن إيمانه ، ولن يكون إلا باعترافنا بأن الإيمان الديني بكل حدوده ومستوياته ، عبارة عن تصديق شخصي لا يمكن إثباته أو البرهنة عليه بشكل موضوعي قابل للتحقق فضلا عن إلزام غيرنا بالإيمان به أو تقديسه ..

حتى البراهين المدعاة التي تطرح بين فترة وأخرى ، جميعها تفيد الظن أو الترجيح بأفضل وأقوى حالاتها ..

وذلك أبدا لا يعني بأن الإيمان بهذا المذهب أو ذاك أمر غير صحيح بشكل مؤكد أو أنه علينا التخلص منه ، لكن أقصد من ذلك الإشارة إلى أن تسامحنا مع لايؤمن بما نؤمن به أمر ضروري بلا حدود ، حتى نتمكن من التسامح مع كل المعتقدات الدينية الأخرى أيا كانت ، لأنها في الواقع متساوية من الناحية الموضوعية والثبوتية ، ومن هنا لابد من التصالح الإنساني مع معتنقيها أو منكريها ، لأن ذلك أمر مطلوب طالما إنهم لا يلزمون الآخرين ولا يدعون للتفاضل بين البشر وفقا لهذا الإيمان أو ذاك .

علينا الاعتراف بأن ثقتنا بإيماننا مسألة شخصية بحتة ، وعدم الادعاء أنها حقيقة مثبتة تحملنا  على التعامل مع الآخرين على أساسها ، لأن ذلك ينتج التطرف الإيماني أو الديني الذي نعيشه ونشهد تصاعده المرعب ، وتقوم بتغذيته واستغلاله قوى سياسية استكبارية تسعى وراء مصالحها على حساب الأبرياء ، جاعلة من هذا التطرف حطب أطماعها وهيمنتها ..

لكننا واقعا نتحمل مسؤولية ذلك ، فإذا قمنا بإصلاح ثغراتنا وانطلقنا من أرضية قوية متماسكة وجعلنا من الإنسان وتنميته أولوية على التبشير بالمذاهب والمعتقدات والدفاع عنها ، فإنه لن تتمكن تلك القوى الاستكبارية من استغلالنا ، وإن فعلت فسيكون بمقدورنا محاسبتها والوقوف في وجه استغلالها واستكبارها ،  هذا إذا لم نكن في تلك الحالة قوة محل احترام يُحسب حسابها ويحذر من التصادم معها أو إضرارها ..

الاثنين، 9 فبراير 2015

هل الإسلام وحشي أم إنساني !؟


الإسلام بصفته دينا يمر بما مرت به بقية الأديان ، ويتمثل لنا اليوم في عدد من الأفكار والمعتقدات التي ورثناها من جيل إلى جيل عبر منظومات دينية متعددة ، تلك المنظومات تشكل موروثات بشرية مليئة بالتناقض ، فأحدنا لم يعش في تلك الفترة النبوية ولم يشهد المعجزات ولم يسمع أقوال النبي (ص)  ..

بطبيعة الحال وكنتيجة منطقية فقد دخل على الإسلام ما دخل وخرج منه ما خرج في إطار تلك المنظومات المتناقضة والمتعددة ..

اليوم حين نقول "إسلام" فنحن لا نعني نسخة واحدة ولا مفهوما واحداً ، بل عدة نسخ إسلامية متباينة وعدة مفاهيم يصل بها الأمر أحياناً إلى تكفير بعضها الآخر باسم الإسلام !

وبالتأكيد ليست جميع النسخ الإسلامية تتوافق مع الإنسانية ، فداعش كنموذج إسلامي متطرف و وحشي بعيد كل البعد عن الإنسانية ولا يمت لذلك المفهوم بأي صلة !

ومع اعتقادي بأنه يمكن إصدار نسخة إنسانية من الإسلام ، لأنه كإرث فيه الجانب الإنساني العالي الذي يناقض بطبيعته الجانب الإرثي الوحشي التي تعتمد عليه الجهات المتطرفة كداعش على سبيل المثال ، إلا إننا نلحظ غياباً تاماً لوجود هذا النموذج الإنساني على أرض الواقع الذي يناقض داعشاً ؛ حتى يتم تقديمه لحاضرنا ويؤسس لمستقبلنا كمجتمعات مسلمة وإلى العالم كمكوّن عقدي وبشري فاعل ومؤثر ، بل لا يزال المسلمون اليوم يعيشون تحت وطأة الصراعات الداخلية والتخلف والجهل وفي مؤخرة التقدم العالمي والنهضة البشرية العصرية ..

فإن كنا حريصين على صورة الإسلام كما ندعي ، فعلينا جميعا تصحيح ومراجعة تراثنا بوعي ، والانشغال بتجاوز الإرث البالي وغير المناسب ، والتخلي عن الدوغمائية الدينية إلى أبعد مدى ، والعيش كمجتمع إنساني عصري دون التمسك بالعودة للوراء ١٤٠٠ عاما !
والانطلاق بصورة إسلامية متسامحة وإنسانية ، أساسها المحبة وتقبل الاختلاف والحريات الفردية ، وتحييد التسلط الديني عن الشأن العام والخاص ، وإعطاء المؤسسات الدينية مكانتها المناسبة وموقعها الطبعي في المشهد الإنساني المعاصر ، بلا مزايدات ولا تخوين ولا تكفير ، بذلك نكون قد امتطينا ظهر الخطوة الأولى نحو الإسلام الصحيح والحياة .


الخميس، 22 يناير 2015

الأكوان المتعددة !


لطالما ظن البشر القدماء أنهم يمثلون الكون ، وبأن الأرض هي كل العالم ! ولكن اكتشفنا لاحقا سذاجة تلك الظنون ، وتبين وجود كواكب أخرى وشموس متعددة حتى اتضح بأننا جزء صغير جدا من كون رحب مليء بالكواكب والنجوم والمجرّات ، وبأن المسافة المناسبة للعيش بين الأرض والشمس وظروف الحياة لم تحتمها قوانين فيزيائية ، بل مجرد وضع طبيعي وليس استثنائي لواحد من ضمن الكثير الكثير من الاحتمالات التي قد يتصادف وجودها بالعلاقات والظروف بين الكواكب والشمس !
ليبقى اعتقادنا الأقوى هو "وجود كون واحد فقط" ، كوننا الذي نعيش فيه و يتضمن كل العالم ! تكوّن نتيجة لانفجار عظيم وفريد من نوعه ..

لكن هل ذلك دقيقا !؟ هل نحن نعيش في كون لا مثيل له ولا وجود لغيره وإن اختلف !؟

علميا بدأت الشكوك تدور حول ذلك ، فقد يكون كوننا واحد من ضمن الملايين من الأكوان ، صار نتيجة لواحد من ضمن الملايين من الانفجارات ، ولا زالت عملية نشوء الأكوان مستمرة ولم تتوقف ، وهي فكرة ظهرت قبل سنوات من الآن ، لكن تم استقبالها علمياً ببرود ، حيث أنها كانت ضعيفة واعتمدت بشكل رئيسي على نقطة واحدة :

*معادلات التضخم الأبدي .

ولكن اليوم عادت لتطرح من جديد بشكل أقوى بعدما تم اكتشاف أمرين مهمين يصبان في صالحها ، وهما :

*كمية الطاقة المعتمة .
*نظرية الوتر .

لتكون بذلك فكرة الأكوان المتعددة أشبه بسطح الطاولة الدائري ، والذي استطاع أن يستند على ثلاث أعمدة قوية تدعم ذلك السطح !

نعم هي ليست مثبتة علميا ، وإلى اليوم لا يلام من يرفضها أو لا يصدقها كونها لا تعتمد على برهان تجريبي أو على ملاحظة علمية ، لكن الحسابات الرياضية تأخذنا إلى هناك !
يبدو بأن فكرة الأكوان المتعددة فكرة قوية منطقيا أكثر من كونها قوية علميا ..

ومع ذلك نجد هذه الفكرة اليوم تثير الجدل بالأوساط العلمية ما بين مؤيد ومعارض ، والكثير يعتبر بأنه بعد ١٠٠ عام من الآن ، ستكون فكرة الأكوان المتعددة فكرة ناضجة علميا وغير مختلف حولها ..

ذلك كان ملخص ما فهمته من الفيلم الوثائقي العلمي الذي قدمه عالِم الفيزياء النظرية "براين غرين" عن الأكوان المتعددة ..
ولكم رابط الفيلم للإستمتاع بمشاهدته :


الأربعاء، 24 ديسمبر 2014

منطقنا الجاهلي !


طبيعة مجتمعاتنا لم تعتد على أن يكون لكل شخص رأيه ، فقد اعتادت على التنميط والصورة الواحدة الخالية من التنوع ، اللبس نفسه والفكر ذاته وتجارب الحياة لاتتغير وثبات في الذهنية السلوك و .. إلخ
لكن مع دخول أدوات التعبير ووسائله المتوفرة لأي صاحب رأي يرغب في ممارسة حقه في التعبير من أفراد المجتمع ، بدأت تلك الطبيعة بالتحول ، مما أثار حفيظة حراس الإرث والعادات والتقاليد الفاقدين لأدنى مستويات ثقافة الاختلاف ، الذين يرون عدم التضحية بالموروث ولو كان على حساب التضحية ببعض أفراد المجتمع وإقصائهم ..
وبطبيعة الحال اختلط الدين بذلك الموروث وصار من الطبيعي أن يبدأ الأفراد بالاختلاف حول بعض تفاصيله ما بين الرفض والقبول والتعبير عن ذلك ..
والردود العنيفة حاضرة بحجة إننا مجتمعات متدينة ومؤمنة ومحافظة ولها خصوصيتها ويجب احترام الرموز وعدم المساس بالمقدسات ، وإن احترام المجتمع يكون من خلال احترام ثوابته ، وذلك كله من باب الاقتداء بالأنبياء (ع) ، ومن يخالف ذلك التوجه يحق للمجتمع محاسبته ومعاقبته والتحريض ضده  ..
لكن هل فعلا ذلك هو منطق أو منهج الأنبياء (ع) !؟ هل فعلا هم ثاروا فكريا على تقاليد مجتمعاتهم وثوابتها لأنهم فكروا بتلك الطريقة التي تحترم الثوابت والمقدسات !؟ بالتأكيد لا ،  فالنبي ابراهيم (ع) كمثال ، بقي يتأمل ويفكر حتى وصل إلى قناعة مفادها إن مجتمعه يعيش حالة من التخلف والجهل والتخريف ، فلم يحترم حينها تخلفهم وحججهم وواجههم من خلال تحطيم مقدساتهم الاجتماعية ، واستفز عقولهم من خلال الإبقاء على كبيرهم وتحميله مسؤولية التحطيم بصورة لا تخلو من السخرية والاستهزاء بطريقة تفكيرهم ومنطقهم المتخلف بالعبادة ..
لكنهم أرادوا إحراقه بحجة عدم احترام المقدسات والإساءة للرموز والمساس بالثوابت !
وكذلك الحال مع النبي محمد (ص) حين انقلب على الجهل والتخلف في مجتمعه ، فلم يحترم تخلفهم بحجة الثوابت والمقدسات ، كما إن القرآن الكريم لم يجاملهم في ذلك ، فوصف الجامدين فكريا وعقليا بالأنعام بل هم أضل سبيلا ، وقال عن المتناقضين بأن مثلهم كمثل الحمار يحمل أسفارا ، ولم يحترم هوى المتخلفين وقال بأن مثلهم كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ، ناهيك عن الاستخفاف بالجاهلين ووصفهم بأنهم صم بكم عمي فهم لا يعقلون أو لا يفقهون ، وغيرها من إشارات ودلالات المنهجية النبوية التي لا ترى بأسا في عدم احترام تخلف المجتمعات وجهلها أو مراعاة مقدساتها ورموزها التي لا تضرهم ولا تنفعهم بالرغم من اعتقاد المجتمع آنذاك أنها من شفعائهم عند الله !
فنحن لا نجد في أدبيات المناهج النبوية أي احترام للثابت أو للمقدس أو للرمز الذي كان يحاكي تخلف مجتمعاتهم بحجة احترام المجتمع ..
قد يقول أحدهم لكننا لسنا أنبياء ، وهذا صحيح بلا شك ، ولا يوجد من يدعي ذلك أو يتوهمه ، ولكن أليس المنهج النبوي هو قدوتنا وعلى الجميع الاقتداء به بلا استثناء كما ندعي !؟ وإلا ما الفائدة من ترديد قصص الأنبياء والتغني بإنجازاتهم والتسمية بأسمائهم !؟
من الواضح جدا إن المناهج النبوية تدعو للتفكير والتجديد وترك الموروث البالي من الآباء والأجداد وليس التمسك به أو تقديسه ! فالمنهج النبوي تحرر من كل قيود المجتمع ، هو يدعو للحراك وليس إلى الثبات ، ويدعو للتقدم والتطوير ، وليس للتقهقر والتخلف !
إذن من أين أتتنا فكرة الالتزام بالثوابت وعدم نقد الموروث أو المساس بالمقدسات !؟ ومن الذي تحدث بذلك المنطق طالما إن الأنبياء (ع) لم تكن سيرتهم ومنهجيتهم منطلقة من كل ذلك !؟
واقعا نحن ورثناها من المجتمعات التي حاربت الأنبياء (ع) والمجددين ، فنحن نحب الأنبياء (ع) لكننا نقتدي بمن كفر بهم !
فهم أصحاب ذلك المنطق البالي الذي يدعو لاتباع الآباء والأجداد وتقديس ما لا ينفع ولا يضر ، وهم أصحاب فكرة أن احترام أفراد المجتمع هو ذاته احترام تخلفهم المؤطر بإطار الرموز والمقدسات !
وذلك المنطق الأعوج هو ما حولنا إلى مجتمع دوغمائي بامتياز ، لم يعد مجتمعا متجددا ومؤثرا حضاريا وفكريا ، أصبحنا نتغنى بتناقضاتنا ونتشدق بتخلفنا وخرافاتنا ، وكل ذلك من باب عدم المساس بالثوابت أو بالمقدسات و الرموز !
علينا التخلي عن ذلك المنطق الجاهلي والمتخلف ، والسماح للأفراد بالتفكير والتعبير والتساؤل بكل أشكاله وحدوده ، القوي يبقى قويا ولن يضره تساؤل هذا أو تشكيك ذاك ، وحدها الخرافات والجهل والتخلف من تحتاج لحراسة وقوى تحافظ على استمراريتها ، قولوا ما شئتم ودعوا غيركم يقول ما يشاء ، طالما إن أحدا لا يجبر الآخر ولا يضره ، فمناقشة الفكرة حق للجميع ، لكن دون إلغاء المسافة بين الفكرة وصاحبها ، أو بين الشخص ورأيه ، فيجب أن أحترمك كشخص وتحترمني كشخص ، أما الأفكار والآراء فلا حرمة لها ، واحترامي لحقك باختيار ما يناسبك منها لا يعني وجوب احترام ما اخترته ، فلا داعي للتهويل والتحريض والدعوة إلى محاكمة كل متسائل أو غير مجامل لثوابت التخلف والجهل ، فتلك الدعوات تعكس حجم الضعف والإفلاس وفقدان قيمة الفكر والمستقبل ..
فإن كنتم تعتبرون معتقداتكم سحابا وأفكار غيركم كلابا ، فمن أي ضرر أنتم قلقون !؟


السبت، 8 نوفمبر 2014

الأحساء تطلق صفارة الإنذار !


وبعد الإدانات والاستنكارات والعزاء بالفاجعة الأليمة التي أصابت أهالي قرية الدالوة في محافظة الأحساء ، هذه الفاجعة التي آلمت الوطن بجميع أطيافه و راح ضحيتها شهداء من المدنيين ورجال الأمن ..
وحتى لا تذهب دماؤهم الطاهرة هدرا ، لا يمكننا تجاوز هذه الحادثة دون أن نتعلم الدرس ونبدأ بالتطبيق ، فالإرهاب اتخذ أخطر أشكاله وهو الشكل الطائفي ، هذا الشكل سريع الاشتعال وناره متأججة حارقة ومدمرة ، فلم يكن اختيار قرية شيعية في ليلة العاشر من محرم ذات الرمزية الخاصة بالمذهب الشيعي ، واستهداف ممارسي إحياء تلك الليلة عبثا ، بل هو مخطط مدروس ومقصود . 
كثير منا شعر بالمسؤولية  وأحس بالرعب والخوف على أمن هذا الوطن ، لذلك لست هنا سوى مواطن يحاول تقديم اقتراحاته ورؤيته وتسجيل موقفه بوضوح ، وإلا الخطة العملية لا يكفيها مقال ولا رؤية شخص واحد ، بل لابد من إطلاق ورشة عمل وطنية وجلسات عصف ذهني للوقاية من خطر المستقبل . وهنا أقترح عدة نقاط :

* بتصوري المسألة بغاية الخطورة والجدية ، ولا تحتمل المزيد من الوقت لإصدار قانون واضح وصريح يجرم التحريض الطائفي وخطاب الكراهية من أي طرف كان أو طائفة ، وإلحاق العقوبة الحازمة والمناسبة لمن يخالفه .

* الاعتراف بالمذاهب والتعددية العقائدية بالمملكة ، وإدخال دروس تعريفية بالمقررات الدراسية لكل مذهب أو عقيدة تشكل جزءا من هذا الوطن ، يقوم بالإشراف عليها أصحاب المذهب نفسه ، ليعرفوه بعيدا عن التحريف والكذب عليه .

* على المجتمع الشيعي بالمملكة التفكير باستراتيجية واضحة للتعامل مع الدولة كأقلية معزولة عن شيعة العالم ، وكذلك على الجانب السني التعامل مع الشيعة السعوديين بمعزل عما يقوم به الشيعة خارج المملكة ، لأن ذلك ليس من صلاحياتهم ولا يندرج تحت مسؤولياتهم الوطنية ، ولنا في المجتمع العماني خير نموذج لنجاحه بعزل الحالة الشعبية الوطنية بعامة ، عن صراعات الطوائف خارج حدود أرضهم .

* تعزيز الهوية الوطنية على حساب الهوية المذهبية والمناطقية والقبلية ، فجميعنا سمعنا وشاهدنا وسائل الإعلام الغربية تتحدث عن تقسيم المملكة وتعرض خرائط متوقعة لمستقبلها ، وقد اشتملت الخرائط على إقامة دولة شيعية بالمنطقة الشرقية ، ولا يستبعد أن تكون العملية الإرهابية تابعة لذلك المخطط السياسي الخارجي ، ليتم إرهاب الشيعة وإقناعهم بأنهم ليسو بأمان مع شركاء الوطن الحالي ، فيتم نزع الثقة بين أبناء الشعب السعودي من الطائفتين ، ليتم تمهيد التقسيم بناءً على استعداد نفسي من جميع الأطراف . لكن ردات الفعل الوطنية خيبت آمالهم ومخططاتهم الغادرة ، وبما أنهم قد لا يستسلمون ، علينا المضي قدما بتعزيز مبدأ الهوية السعودية الوطنية على حساب كل الهويات الأخرى .

* وبما إن الجميع يؤكد على أن الإرهاب لا دين له ، فكذلك علينا تأكيد أن العمالة لا دين لها ، فلا هؤلاء الإرهابيون يمثلون السنة ، ولا عملاء إيران يمثلون الشيعة ، ولا بد من وضع حد لهذه الإسطوانة ومحاسبة من يكررها عند كل أزمة وكل حدث .

* يجب أن يبقى هناك دائما أولوية لمراجعة الموروث من معتقدات وأمور مذهبية ، فالشيعة لديهم الكثير مما يحتاج للتنقيح ، وكذلك السنة ، والتطرف بالجهتين متشابه ، وإن لم يصل أحدهما لمرحلة القتل إلى اليوم ، فقد يصل غدا ، إلا أن يراجع نفسه بموضوعية وبعيدا عن الوهم القائل بأن هناك من هو محصن ضد الإرهاب . ولكن عزيزي الشيعي لا تعتقد أنك مسؤول عن إصلاح الموروث السني ، وكذلك بالنسبة لك عزيزي السني ، فأنت لست مسؤولا عن إصلاح الموروث الشيعي ، لن يؤثر كل منكما إلا في موروثه ، ويمكنك سواء أنت أو هو ممارسة قدراتك الموضوعية والاستدلالية والمنطقية على كتبك ومعتقداتك ، ولينشغل كل طرف بذاته ، ويصلح مساره بعيدا عن المزايدات على الطرف الآخر .


أرجو أن لا تكون مخاوفنا بمحلها ، لا سيما وأن فاجعة الأحساء ، أظهرت للجميع مستوى الوطنية العالي جدا لدى الأحسائيين خاصة ، والسعوديين عامة ، فلا الأحساء انجرت للفتنة ، ولا المجتمع السعودي كذلك ، وهذا لا يعني التجاهل أو التعامي عن حالات الشماتة الطائفية من قبل بعض الشاذين ، أو عن تجاهل بعض خطباء الجمعة توجيه الدولة لإدانة الحدث ، فجميعهم رغم قلتهم يمثلون حالة لا بد من الحذر منها ..
كما إن جهود أجهزة الأمن وإنجازاتها أثبتت أن أمن الدولة قوي ومحصن بشكل عال ومطمئن ، وزيارة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن نايف وأخيه صاحب السمو الملكي  الأمير  سعود من نايف أمير المنطقة الشرقية ، كانت ذات دلالة ورمزية من الدولة وقياداتها ، فجميع أبناء الوطن بعين رعايتها وألمهم من ألمها ، وهذا العشم بقيادات مملكتنا الحبيبة . ولأننا لا نأمن غدر الأعداء وحقدهم ، لا بد من العمل على برنامج وقائي صارم ، فجميعنا بات يعلم بأن المسألة ليست مزحة ، والأحساء أطلقت صفارة الإنذار ، فهل من مجيب !؟


الأربعاء، 15 أكتوبر 2014

شيوخ الثّقافة


من المألوف أن يكون شيوخ الدّين ورجاله متصدين لجميع أشكال الوصاية ولا سيما الاجتماعية ، مصادرين بذلك كل رأي لا يحوز على رضاهم أو لا يلبي متطلباتهم التي ينسبونها إلى الله سبحانه . لكن اللافت للنّظر هو نمو فئة جديدة في الوسط الاجتماعي وتفرعنها ، لا تختلف عن الأولى بالآلية ومنهجية التعامل ، ويمكن وصفهم بشيوخ الثقافة ورجالها !
فهؤلاء بكل عنجهية وغطرسة يعتبرون أنفسهم الناطق الرّسمي باسم الثّقافة ، وأصحاب الحق المطلق في إعطاء شهاداتها للآخرين ، فهذا حسب تصنيفهم مثقف حقيقي ، أما ذلك فهو متثيقف مزيف ! لا يختلفون عن أولئك بطرح تساؤلهم الشّهير لكل من يفتح فمه : ومن تكون حتى تقول !؟ 
فيا شيوخ الثّقافة اطمئنوا ، هنيئا لكم الألقاب والمسمّيات وكلّ أشكال الثّقافة ومظاهرها ، فوحدكم المثقفون الحقيقيون ، سواكم ما هم الا فقاعات عابرة ، فهم طلاب شهرة لا أكثر ، بعكسكم أنتم ، فلمَ التعليق عليهم أو إشغال أنفسكم بهم !؟ إنّهم سطحيون  يطرحون آراءهم بعيدا عن التّعقيد ، ويتجنبون الأساليب والمصطلحات المبهمة التي تتشدقون بها ، لا يتبنّون الطّرح الصّعب واللا مفهوم الذي كلما استوعبه عدد أقل اعتبرتم ذلك مقياسا لقوته وعمقه ! إنهم تافهون يتحدثون بأمور تلامسهم مباشرة أو تضغط عليهم اجتماعيا ، ولا يشغلون أنفسهم بالطرح النّخبوي فلسفيا وعلميا مع الكثير بصفصفة الأسماء ككارل بوبر وشوبنهاور وهيجل ونيتشه وغيرهم ، بالإضافة لاستغنائهم عن جرعة مصطلحات لاتنية يمكن الاستعراض بها ! فتركوها لكم يا من قرأتم دون غيركم كلّ الكتب والأفكار ، القديم منها والحديث ، لتنطلقوا من رؤية "أبستمولوجية" وأساس "أنطولوجي" ، فليس لأحد غيركم أن يفهم "الأنثروبولوجيا" ويغوص فيها ، فسواكم ما هم إلا سفهاء معتدون يهرفون بما لا يعرفون !
لكن كم هو مؤسف حقاً أن نجد في مجتمعنا المتاجرة بالثقافة والمعرفة وحتى الحقوق ، كشكل آخر حي كما المتاجرة بالدّين ، لتصفية الحسابات وتعزيز المصالح الشّخصية والفئوية ! أو أن يكون قدر مجتمعنا هو الانتقال من وصاية لأخرى ، ففي سبيل التّخلص من الوصاية الدّينية وحراسها الأشاوس ، نجد الوصاية الثّقافية بحراسها المتعجرفين الذين لا يرون لغيرهم أي قيمة أو اعتبار إلا إذا كانوا تحت وصايتهم ، فهم لا يرون إلا نفوسهم المتضخمة في دواخلهم حد الانفجار !
لكم أن تخففوا من روعكم وتهجمكم ،  فهناك من لا تعنيه تصنيفاتكم ولا تغريه مصطلحاتكم ولا فذلكتكم ، إنّما يريد أن يكون إنسانا صادقا مع نفسه ، يحلم بغد أفضل ويسعى إليه ، يعيش تجربته كما هي ، بعيوبها وحسناتها ، بعيدا عن التّنظير وبعيدا عن التعقيد وبعيدا عن فوقيتكم الزّائفة ، تشدقوا بعقدكم وتعقيداتكم وكل ما يتوهم لكم أنه عمق ، وتباهوا بما لديكم كما يحلو لكم ، فالفضاء يتسع للجميع ولن يمنعكم أحد من ذلك ، لكن اتركوا غيركم ليكون نفسه ويعبر عنها ، دون أن تسقطوه وتحتقروه وتستصغروه لمجرد أنه حاز على شيء ما رغم بساطته أكثر منكم ! فمعذرة ؛ لكن لم يزاحمكم أحد بمقاهيكم وأبراجكم العاجية ، فلا تستكثروا فسحة ما ، توفرت لأحدهم ليعبر من خلالها عن نفسه ، وعن مرحلته الفكرية والمعرفية والوجودية ، بعيدا عن حساباتكم التي منعتكم من صدقكم مع ذواتكم ، وجعلت من مكاسبكم الثقافية قناعا تسترون به قبح حقائقكم وخبث تناقضاتكم ، ليسقط عند أبسط المواقف ، كاشفا عن نفاقكم وانحيازكم وسوادكم الإنساني !

الأحد، 28 سبتمبر 2014

صناعة الحزن المقدس !


من منا لم يلاحظ غياب ثقافة حب الحياة وصناعة الفرح ؟ فنحن مجتمع يرث الحزن جيلا بعد جيل ليشوه الفرحة ويصادر البهجة ، ولم أجد لذلك سببا غير الدين  ، فالمذهب الشيعي ( وبالتحديد الإثنا عشري ) مثلا ، مذهب جنائزي بامتياز ، يشع بثقافة الموت بشكل رهيب ولافت ..
لا وجود لثقافة الحياة والفرح والبهجة في أدبياته ..
فهو يطغى على بقية المذاهب الإسلامية في ذلك ، وإن كانت هي أيضا تفتقر لثقافة الفرح وخلق السعادة ..
فهو يتفنن بطقوس الحزن والبؤس واليأس ، حتى بات الجزع مستحبا ، وكذلك الصراخ والعويل والنياح واللطم والنحيب ، لتصنع بذلك مجتمعا لا يعرف كيف يفرح ! بينما طقوس ومظاهر الفرح والبهجة والأمل تحيطها الشبهات والتحريم والتوجس ، فالرقص حرام ، والغناء حرام ، والاحتفال غير جائز إلا بضوابط صارمة تسلب منه المتعة والجمال ، وإلا فهو حرام أيضا ..
أفراد يتجهزون بالأكفان ، ويتلذذون بتجارب الموت وأجوائه البائسة ، قال لي أحدهم ذات مرة : أنا أعرف كيف ألطم لكن لا أعرف كيف أرقص !
وأحدهم كان يداوم بين فترة وأخرى على زيارة المقبرة للجلوس بجانب قبر مفتوح ليستشعر لحظة دخوله فيه بعد وفاته ! وينقل أحد أقربائه بأن هناك من تجاوزه بالطقوس ليكفن نفسه ويجرب الاستلقاء داخل القبر ! بينما آخر وفي فترة خطوبته قرر أن يكون أحد مشاريعه بتلك الفترة الخاصة ، زيارة رومانسية من نوع آخر بصحبة الخطيبة للمقبرة ، لتذكر الموت وعدم التمسك بهذه الحياة الفانية !
بالإضافة إلى بعض الظواهر الاجتماعية ، كأن يخاف أحدهم أو يتشاءم من جلسة ضحك ويدعو الله أن يكفيه شره ، أو بعض الروايات التي تصور القلوب الحزينة على أنها أقرب إلى الله من القلوب الفرحة ، وكذلك هناك من يتعفف عن الفرحة لسوء فهم ربما لما جاء بالقرآن (لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين) وتخيله للفرح بأنه يتناقض مع المروءة أو الحشمة و الوقار ..
فلم يعد عجيبا أن تجد هناك من يتهامس الناس حوله سرا ، أنه إنسان تافه لأنه دائم الفرح ولا يعيش الغم والحزن !
لقد أغرق المجتمع بأجواء الحزن وسلوكياته والتعبير عنه ، ولم يعد قادرا على ممارسة الفرح أو صناعته ، ويعجز عن خلق حالة من البهجة والتفاؤل وحب الحياة ، فإما أن يفرح من خلال الإساءة للآخرين ويجد فيها الفرصة للتنفيس عن ما يرثه من بؤس ويأس ، وإلا لا يعرف كيف يعيش الفرح الرسالي أو التعبيري الخالي من الإيذاء أو الضرر . أن تجعل من الحزن طقسا مقدسا وتطلق لصناعته العنان بلا ضوابط ، وتحرم طقوس الفرح إلا بحدود ضيقة ، يعني أن تصادر ثقافة كاملة من حب الحياة وسلوك السعادة والأمل والتفاؤل ، الشعوب الحية تصنع الفرحة من أبسط الأمور ، وتلون حياتها بأجمل وأزهى الألوان ، لتورث تلك الثقافة والصناعة والبهجة بألوانها لأجيالها اللاحقة ، بينما الشعوب الميتة تتفنن بصناعة البؤس والحزن ، وتختار السواد لونا تطمس فيه حياتها ، لتنذر نفسها للحداد الدائم وتورثه بسواده لجيل بعد جيل !
فهل يحق لنا أن نرفض كل هذا الكم الهائل من طقوس الحزن والبؤس واليأس ؟ واستبدالها بطقوس البهجة وحب الحياة وصناعة الفرح ؟